بين المطرقة والسندان

عدد المشاهدات: 161
تاريخ الخبر: 28-11-2017


قدر الدول ذات الحجم الجيواستراتيجي الصغير نسبياً أن تقع في فترات التوتر الدولي بين مطرقة الدول الكبرى وسندان القوى الإقليمية ذات المشاريع التوسعية، وليست قطر من ذلك ببعيد. فبالرغم من الدور الكبير على الساحة الدولية اقتصادياً وسياسياً، فإنها محكومة بقواعد الجغرافيا السياسية التي تضعها بين إيران والسعودية من جهة، ومعسكر شرقي غربي من جهة أخرى. وليست هذه نهاية القصة؛ فهذا الواقع يمكن التعامل معه في ضوء المجتمع الدولي وتفاعلاته بما يخفف الآثار المترتبة على صراعات القوى الإقليمية والعالمية عبر ثلاث استراتيجيات رئيسية.
الاستراتيجية الأولى هي التمدد الدبلوماسي المدروس الذي يؤسس توازن مصالح مع مختلف الأقطاب عالمياً. ذلك يحتاج إلى هندسة شبكة العلاقات والمصالح بما يضمن أقل قدر ممكن من التضارب بينها، مع الإبقاء على عنصر الردع الناتج عن وجود علاقات مع مختلف الأطراف. فمثلاً مع نشوء الأزمة الحالية، توجهت قطر نحو روسيا لتوطيد العلاقات، واستهدفت معظم العواصم المؤثرة في العالم للتأسيس لمرحلة جديدة من الدبلوماسية المستدامة التي كانت لها نتائج سريعة كما شاهدنا على هذه الأزمة، وسيكون لها نتائج إيجابية كبيرة على المدى الطويل بلا شك.
الاستراتيجية الثانية هي استراتيجية رفع التكلفة على المعتدي. تحتاج الدول الصغيرة إلى جعل تكلفة أي عدوان -اقتصادياً كان أو سياسياً أو عسكرياً- باهظة جداً، بحيث يكون ذلك رادعاً أمام من يستهدف أمن الدولة في أي مجال. يكون ذلك من خلال التحصين الاقتصادي والعسكري الذي يضع في الاعتبار مكامن الضعف لدى الأطراف المهددة وإمكانية توظيفها ضده، بحيث تكون حسابات ما قبل العدوان مقلقة للاستراتيجيين في الجهة الأخرى، وربما توفر ورقة تفاوض مهمة جداً في أي خلاف مع دولة أخرى.
الاستراتيجية الثالثة مرتبطة بمدى استفادة القوى المختلفة من الدولة في الملفات المتعلقة بالمجالات المختلفة. على سبيل المثال، قطر لها أدوار مهمة جداً في إطار الوساطة مع بعض الدول والمجموعات السياسية، وكانت هذه الوساطات ناجحة في تحقيق مكاسب مهمة، مثل تحرير رهائن، ونزع فتيل أزمات ما كانت لتتحقق لولا وجود وسيط ليس له مصالح مباشرة في الأزمات المختلفة. وعلى مستوى آخر، تحتاج القوى الكبرى عادة إلى وكلاء يتولون تحقيق مصالح هذه القوى الكبرى دون أن يكون لها يد مباشرة في هذه الأنشطة. فعلى الدول الصغيرة أن تكون مفيدة للقوى العظمى بهذا الشكل، ولكن بحيث لا يؤثر ذلك على توازن العلاقات الاستراتيجية لها.
أن تكون الدولة صغيرة ليس مرتبطاً شرطياً بأن تكون رهينة للقوى الإقليمية وللنزاعات العالمية؛ فسنغافورة، وسويسرا، والكيان الصهيوني، دول صغيرة في محيط متوتر، لكنها نجحت في الحفاظ على استقرارها وأمنها عبر توظيف هذه الاستراتيجيات وغيرها بشكل واعٍ بالمصلحة الوطنية بعيدة المدى، ودون التفريط بالثوابت المتعلقة بهذه المصالح.
قطر اليوم تواجه تحديات ضخمة، ولكن الفرص المتاحة أمامها لتحصين نفسها والتوسع نحو العالم كبيرة جداً، ولا بد من توظيفها بشمولية. وبلا شك، تبقى التحديات قائمة والمخاطر موجودة، ولكن التعامل الواعي معها سيخفف بشكل كبير من تأثيرها.; 


عدد المشاهدات: 161
تاريخ الخبر: 28-11-2017

مواضيع ذات صلة

سيناريوهات واشنطن
12 | ديسمبر 2017
قمة صفر أو %100
05 | ديسمبر 2017