دبلوماسية «الابتزاز» الأميركية لن تحقّق أهدافها

الكـاتب : عبد الوهاب بدرخان
عدد المشاهدات: 91
تاريخ الخبر: 08-01-2018


ليس معلوماً ولا مفهوماً، كيف يريد دونالد ترمب تطبيق سياساته، ما دامت طرائقه منفّرة للحلفاء قبل الخصوم، أو حتى غير مقبولة من عواصم تُعتبر أقرب إلى واشنطن من سواها، ففي الموقف من تظاهرات الاحتجاج في إيران كان الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي وحيدين، تماماً كما كانا -ولا يزالان- وحيدين في تأييد قرار ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكان الرئيس الأميركي أغلق العام 2017 مهدّداً بقطع المساعدات عن الدول التي تتحداه، وتصوّت ضد قراره ذاك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد باشر تنفيذ تهديده، بادئاً أولاً بحجب جزءٍ من مساهمة الولايات المتحدة في ميزانية الأمم المتحدة، ثم أتبعه بوقف المساعدة للسلطة الفلسطينية، كما ثبّت تجميد التمويل الأمني والشحنات العسكرية لباكستان.
لا شك أن مجمل الدول الغربية، باستثناء عدد قليل، تعاطفت مع المحتجّين الإيرانيين، سواء بدواعي احترام حقوق الإنسان وتفهّم المطالب الاقتصادية، أو لدواعٍ سياسية تلتقي مع شعارات وهتافات أطلقها المتظاهرون، وهاجموا فيها التدخل الإيراني في سوريا وغزّة ولبنان، ناهيك عن العراق واليمن، لكن التعاطف الأوروبي لم يبلغ حدّ الدعوة إلى "تغيير النظام"، كما ورد في تغريدات ترمب، ثمة أسباب لذلك، ومن أهمها وجود تعارض واضح في مفاهيم مواجهة إيران بين الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، فواشنطن تدعو إلى تشكيل "تحالف دولي" للتصّدي للنفوذ الإيراني، لكن الحلفاء الأوروبيين لا يثقون في الاستراتيجية الأميركية، ويريدون التأكد من أنها لن تقود إلى حرب جديدة في منطقة الخليج، ومن تلك الأسباب أيضاً أن التظاهرات لم تستطع، رغم تمكّنها من كشف معضلة داخلية عميقة وخطيرة، أن تنتج حالاً ثابتة ومهددّة للنظام الذي توصّلت تكتيكاته الأمنية، على العكس، إلى احتواء الحراك الشعبي، عازلاً نقاط التظاهر عن بعضها البعض، ومستخدماً العنف في عدد من المناطق.
لذلك راوحت المواقف الأوروبية بين الدعوة إلى ضبط النفس وعدم اللجوء إلى العنف، وبين الدعوة إلى حوار جدّي لمعالجة مطالب المحتجّين، وكان موقف تركيا لافتاً بتأييدها الإجراءات التي تتخذها طهران لإنهاء موجة الاحتجاج، ما عنى أن التقارب بين الجارين في أفضل أحواله، وعشية محاولة أميركية لتدويل الحدث الإيراني في مجلس الأمن، كانت موسكو وبكين شديدتَي الاستياء من عزم الولايات المتحدة على التدخل في شؤون إيران الداخلية، وبالتالي فإن الانقسام الدولي حول سوريا مرشح لأن يتواصل في شأن إيران، بل سيكون أكثر شراسة، لأن روسيا والصين تعتبران أن المسّ بإيران اليوم يعني أنهما ستكونان التاليتين على اللائحة الأميركية.
 قد لا يكون عدم ثقة الحلفاء والأصدقاء بسياسات واشنطن حالاً استثنائية، إلا أنه يشكل حالياً ظاهرة غير مسبوقة مع جنوح أميركا-ترمب إلى استخدام دبلوماسية "الابتزاز" بالمساعدات، وإذ ردّ الفلسطينيون على التهديد بأن "القدس ليست للبيع"، وأن المساعدات التي تقدّم إليهم هي "من أجل إسرائيل" أولاً وأخيراً، فإن الباكستانيين ردّوا أيضاً بأن المساعدات ليست مجانية، بل تُوفَّر لقاء خدمات وتسهيلات، وبالتالي فإن تعليقها "سيأتي بنتائج عكسية" بالنسبة لمكافحة الإرهاب عموماً، وكذلك بالنسبة لمطالبة واشنطن بالتشدّد في مقاتلة حركة "طالبان" و"شبكة حقاني"، لكن حياة الفلسطينيين والباكستانيين وموتهم لا يتوقفان على المساعدة الأميركية، ويُفترض أن واشنطن تعرف أن "الابتزاز" لن يُجبر الفلسطينيين على قبول خطتها للسلام طالما أنها غير منصفة، ولن يُجبر باكستان على الرضوخ لمطالب لا تتناسب مع أمنها.; 


الكـاتب : عبد الوهاب بدرخان
عدد المشاهدات: 91
تاريخ الخبر: 08-01-2018

مواضيع ذات صلة