تخالف الدستور.. سلة قوانين تتحول إلى أداة انتقام بيد جهاز الأمن

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 2095
تاريخ الخبر: 19-01-2017

يعد الدستور في أي دولة بمثابة  العقد الاجتماعي بين الشعب والنظام السياسي فيها، إذ يفترض أن تتفق جميع القوانين والتشريعات التي يتم إقرارها في الدولة مع مبادئ وأسس الدستور الذي يكفل حقوق المواطنين والحريات العامة وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير التي كفلتها جميع المواثيق والقوانين الدولية.  إلإ أن بعض الجهات وخاصة الأمنية تستخدم القوانين للتضييق على الحريات العامة وملاحقة الناشطين والزج بهم في السجون تحت مبررات واهية.

فمنذ عام 2012م أصدرت الدولة عدة قوانين يشار إليها بكونها ذات معاني فضفاضة تستهدف حرية المواطنين بما فيهم المدونين ونشطاء حقوق الإنسان، و تمثل انتهاكاً صريحاً لحقوق المواطنين  وحرياتهم، بحيث تنص كثير من هذه القوانين على عقوبات بالسجن وغرامات مالية كبيرة بحق المغردين والناشطين الدولة أو المطالبين بالإصلاح حتى لو كان عبر الفضاء الإلكتروني، كما توفر هذه القوانين الحماية المفرطة للنظام الأمني وكبار المسؤولين التنفيذيين والأمنيين، الذين لا يسمح بتوجيه أي انتقاد لهم، بحسب الموقع الحقوقي الأمريكي المتخصص "أوبن ديمكراسي".

ووصل الحد بهذه القوانين ما تضمنته تعديلات قانون العقوبات من تشريع الحكم بالسجن بما لا يقل عن 25 عاما في السجن وبما لا يزيد عن 25 عاما في السجن، لأي شخص “يهين” الأشخاص الذين شملهم القانون بحمايته الجنائية على اعتبار أن المطالب الإصلاحية أو النقد يشكل “إهانة” بالنسبة للنظام الأمني، حيث أن هناك قرابة (200) معتقلاً من الإماراتيين منهم (86) فقط  جرى الحكم عليهم سياسياً منذ بداية العام الجاري، معظمهم بتهم تتعلق بحرية الرأي والتعبير والتدوين على شبكات التواصل الاجتماعي والانتماء إلى جمعيات خيرية.

قانون العقوبات


كما شهد قانون العقوبات تعديلات واسعة أثارت انتقادات العديد من المنظمات الحقوقية لما تضمنته هذه التعديلات من إقرار الإعدامات دون  ضمانات المحاكمة العادلة وتجريم  حرية الرأي والتعبير .

وبحسب تقرير للمركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان فإن الجرائم  التي  شملتها عقوبة الإعدام وردت فضفاضة ومفتوحة على تأويلها وتفسيرها بحسب مزاج السلطة التنفيذية وهو ما يجعل السلطات في خلاف مع المجهود الدولي من أجل وقف العمل بعقوبة الإعدام والتشجيع على إلغائها لمساس عقوبة الإعدام بالحق في الحياة .

وما أثار قلق المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان بخصوص إدراج سلطات دولة الإمارات لعقوبة الإعدام في أكثر من مادة من مواد قانون العقوبات هو غياب المحاكمات العادلة بدولة الإمارات وعدم احترام المعايير الدولية ذات الصلة والتضييق على اتصال المتهمين بالمحامين واستناد الإدانة على اعترافات انتزعت تحت وطأة التعذيب وعدم استقلال القضاء بدولة الإمارات وهو ما وثقته المقررة الأممية الخاصة باستقلال القضاء والمحاماة السيدة غابريلا نول في زيارة لها لدولة الإمارات سنة 2014 وأكّدت غياب الفصل بين السلطة  التنفيذية والقضائية.

كما رصد المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان وبعد مطالعة تعديل قانون العقوبات الإماراتي تجريم حرية الرأي والتعبير بعد إضافة مادة جديدة تحت عدد 182 مكرر ونصّها : " يعاقب بالسجن مدّة لا تقلّ عن عشر سنوات كلّ من استغل الدين في الترويج بالقول أو الكتابة أو بأي وسيلة أخرى لأفكار من شأنها إثارة الفتنة أو الإضرار بالوحدة أو السلم الاجتماعي ".

 و لا تقتصر القوانين في الإمارات التي تمس حرية التعبير على تقييدها في الفضاء الإلكتروني، بل تشمل أيضا حرية التجمع وتكوين الجمعيات، ولا تسمح بعض العقوبات للمتهم بالاستئناف أصلا، بدعوى أنّ "الجرم المرتكب" يمس أمن الدولة، وأبرز مثال على ذلك هي المادة 28 من قانون الجرائم الإلكترونية.


الرقابة على الانترنت

 العديد من التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان تؤكد غياب حرية الإنترنت في الإمارات، وفق ما أكدت عليه منظمة فريدوم هاوس التي أشارت في تقرير لها عن مؤشر حرية الانترنت في العالم  أن ترتيب الإمارات جاء في (68) من دولة في العالم جرى قياس حرية الأنترنت فيها، فيما يستمر تدهورها في هذا المجال منذ عام 2013م.

وحظرت الجهات المعنية استخدام الدردشة عبر "سناب شات" في أبريل 2016، كما تم حجب المكالمات الصوتية لـ"واتساب" و "فيسبوك"، أما فيس تايم و فايبر فقد جرى حجبهما في عام 2013 ، كما يجرم قانون مكافحة جرائم التقنية في أحد تعديلاته التي انتقدتها منظمات حقوقية استخدام (VPN) "البروكسي" لكسر الحجب عن تلك التطبيقات والمواقع الإعلامية المستقلة ومنها موقع "الإمارات 71"، كما قامت الجهات المعنية بحظر الوصول إلى عدة مواقع عربية وأجنبية خلال العام الماضي من بينها (ميدل آيست آي) و (العربي الجديد) بسبب تغطيتها الإعلامية لانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد، و إغلاق عشرات المواقع الإخبارية الأخرى المحجوبة في الإمارات.

وبحسب ما صرح به جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "تلاحق السلطات الإماراتية كل شخص لا يلتزم بتوجهاتها، والفضاء الافتراضي أصبح مكانها المفضل لاصطياد المنتقدين والمعارضين. الانتهاكات المتعلقة بحرية التعبير، ومعاملة السلطات للمحتجزين، تُعدّ أسبابا كافية للشعور بقلق كبير".

 

القانون الاتحادي حول المطبوعات

 فيما يعتبر القانون الاتحادي حول المطبوعات لسنة 1980والذي ينظم  قطاع الإعلام في الإمارات، من أكثر القوانين تقييدا للصحافة في العالم العربي، حيث يسمح  للدولة بفرض رقابة على المطبوعات المحلية والأجنبية قبل توزيعها، ويحظر انتقاد قادة الحكومة والأسرة الحاكمة، وحكومات الدول الصديقة، كما يجرم  نشر المعلومات التي "تسبب ضررا للاقتصاد الوطني"،  وانتهاك القانون يمكن أن يؤدي إلى فرض غرامات وعقوبات بالسجن.

 كما كانت المحكمة الاتحادية العليا أفتت خلال الشهر الماضي بجواز استناد المحكمة إلى أدلة غير مستمدة من الضبط والتفتيش الباطل، لأن بطلان القبض والتفتيش لا يحول دون أخذ القاضي بعناصر الإثبات الأخرى المستقلة عنه والمؤدية إلى النتيجة التي أسفر عنها الضبط والتفتيش ، ومنها اعتراف المتهم اللاحق والمستقل عن هذا الإجراء، ويكون النعي على البطلان غير منتج. إذ أكدت جواز استناد المحكمة لأدلة غير مستمدة من الضبط والتفتيش الباطل.



غياب دور المجلس الوطني

كما يغيب المجلس الوطني عن هدفه الحقيقي بالدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم التي كفلها الدستور ليكون بمثابة أداة بيد جهاز أمن الدولة لإضفاء الشرعية على مثل هذه التشريعات،  حيث لا يملك المجلس الوطني بما فيها لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية والطعون التي تناقش بعض القوانين أي سلطة لتعديل أو رفض أو اعتراض أياً من المواضيع أو القضايا أو القوانين.

لذلك، يرى مراقبون أن الإمارات تمتلك بيئة قانونية ضعيفة جراء عدد من  القوانين التي تضيق على الحريات العامة وحقوق المواطنين و منها "قانون العقوبات" و"قانون المطبوعات والنشر" و"قانون الجرائم الإلكترونية"، و"قانون التمييز والكراهية" و"قانون الإرهاب" و "تقنية المعلومات" ، والتي تستغل عادة لردع حرية التعبير وانتهاك حقوق المواطنين والمقيمين. و رغم الانتقادات الدولية المستمرة لهذه القوانين تستمر الدولة في تفعيلها بل وتوسيع دائرة المستهدفين.

وكان آخر هذه التشريعات التي ناقشها المجلس الوطني قانون يتعلق بتقنية الاتصال عن بعد في الإجراءات الجزائية والذي من شأنه أن يوقف وصول أي من المتهمين إلى قاعة المحكمة ليتم استجوابه من زنزانته عن بُعد من قبل المحكمة أو النيابة العامة، و يشمل ذلك الشهود والخبراء والمسؤولين الحكوميين، مما يعني إخفاء جرائم التعذيب ببقاء المتهم في السجون السرية أو العامة، إضافة إلى تجنب رؤية عائلته ومنع زيارته حتى في محاكمته، كما أن النيابة العامة ستتحول إلى مخزن للأوراق، فلن ينقل إليها المتهمين للاستماع إليهم ومتابعتهم ومحاسبة المحققين، كما أن القانون يثير موجة من القلق بشأن استهداف المعارضين السياسيين والمدونين.

الطعن على القوانين غير الدستورية


 لذا باتت عملية تشريع القوانين التي تخالف مبدأ الدستور أداة بيد جهاز أمن الدولة لإسكات كل صوت حر أو مطالب بالإصلاح لمواطن الخلل في الدولة، فما يطالب الإماراتيون بإنتاج قوانين منسجمة مع الدستور والسماح للمواطنين بالطعن عليها أمام المحكمة الاتحادية العليا إذ يقع في اختصاصها النظر في دستوريةالقوانين، وليس الاقتصار في الطعن على المؤسسات الرسمية أو المحاكم الاتحادية، لضمان التزام المشرعين بنصوص الدستور لا الافتئات عليه كما يقول مدافعون عن حقوق الإنسان. 



خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 2095
تاريخ الخبر: 19-01-2017

مواضيع ذات صلة