مكافحة الفساد والشفافية في الدولة.. بين الواقع والتقارير الدولية

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 4915
تاريخ الخبر: 29-01-2017


يأتي إعلان منظمة الشفافية الدولية في تقريرها السنوي عن تراجع دولة الإمارات أربعة نقاط على مؤشر إدراك "مكافحة" الفساد لعام 2016، ليسلط الضوء على حقيقة مكافحة الفساد المالي والإداري في الدولة ومحاسبة الفاسدين ودور ديوان المحاسبة في هذا الشأن.
ويظهر التقرير الذي يعتمد فيه المؤشر على نتاج سلوك وسياسة الدولة في عدة مجالات، منها  دور الدولة في عدالة المحاكم والسياسات التي تمارسها تجاه المواطنين،  واحترام حقوق المواطنين، و سيادة القانون وفقاً لقواعد المجتمع المدني،  ومحاسبة أفراد الشرطة المدانين بالإساءة للمواطنين، أن الإمارات تراجعت في التنقيط من 70 إلى 66 و احتلت المرتبة 24 عالميا، غير أنها استمرت في صدارة الدول العربية في هذا المؤشر في ظل ما تمر به كثير من الدول العربية من حالة فوضى وعدم استقرار داخلي.


وبالنظر لواقع هذه المؤشرات في الدولة، يشير التقرير وغيره من تقارير حقوقية دولية إلى ما تعيشه العديد من دول الخليج بما فيها الإمارات من  تقييد وقمع الحريات العامة، وعدم وجود مؤسسات مجتمع مدني نشيطة وفعالة، وانخراط هذه الدول في تحالفات عسكرية مما يزيد من السرية وعدم الوضوح في الموازنات والصرف العام، وغياب مفهوم العدالة في بعض المحاكم العسكرية والأمنية وخاصة في قضايا أمن الدولة والتي هي في جلها  قضايا سياسية. 


كما أشار مراقبون مما أورده التقرير الذي نشره لموقع الإنجليزي "ديتين إن دبي" حول تحذير المستثمرين الأجانب في إمارة دبي مما أسماه "خطرا جديا يحيق بالمستثمرين الأجانب"،  واعتباره أن البنية التشريعية وما وصفه "بالفساد" يعرض المستثمرين لمصادرة أموالهم والسرقة من جانب الشركاء المحليين، بغطاء من القانون والفساد ومسؤولين حكوميين كبارا، على حد قوله.


وكانت الإمارات شهدت قضايا فساد عدة في غمرة الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، التي أثرت بشدة في الطفرة العقارية والاقتصادية للبلاد، وخصوصاً في دبي. وفي حين انطلق قطار محاسبة الفاسدين بفتح ملف الفساد المالي وتقديم البعض إلى المحاكمات تم تجميد الملف فجأة ولم يعد يطرح أحد مكافحة الفساد إلا إعلاميا، مع توسع الحكومة باستثناء الوزارات والهيئات الحكومية بالخضوع لمراقبة ديوان المحاسبة الذي يكرر منذ بضعة سنوات ذات قضايا الفساد دون أن يحرك ساكنا فيها أو يكشف عن قضايا جديدة.


 دور شكلي لديوان المحاسبة 

 وفيما من المفترض أن يكون ديوان المحاسبة الأداة الرسمية لمواجهة ملفات الفساد إلا أن دور ديوان المحاسبة لا يزال قاصراً في ملاحقة ملفات الفساد نظرا لطبيعة ولاية الديوان التي لا تصل رقابته إلا إلى بعض الجهات الاتحادية وليس كلها حيث يبلغ العدد الكلي للجهات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة 70 جهة، منها 12 جهة تمتلكها الحكومة الاتحادية بشكل كامل أو جزئي.


كما أن القضايا التي أثارها ديوان المحاسبة هي قضايا خاصة بالجهات الاتحادية لا الجهات المحلية مثل أبوظبي ودبي والشارقة وهي ذات ميزانيات كبيرة للغاية تقدر بعشرات المليارات من الدراهم والتي يمكن ارتكاب جرائم مالية مختلفة فيها دون أن يتم اكتشافها، وهي ما تسبب النزيف الحقيقي للاقتصاد الوطني، كونها ذات ميزانيات مفتوحة مرتبطة بمشروعات داخلية وخارجية لجهات وشخصيات تنفيذية وأمنية، إضافة إلى عدم شمول ديوان المحاسبة ما يتعلق بالإنفاق على التسليح والتي بلغت قيمتها  لهذا العام نحو 7 مليارات درهم.

فضلا عن ذلك، فقد اشتكى رئيس ديوان المحاسبة، حارب العميمي في تصريحات سابقة له، من تدني مستوى تعاون بعض الجهات الخاضعة لرقابته من التعاون مع مدققي الديوان وتمكينهم من الوصول إلى البيانات المالية، مشيرا إلى أن معدل استجابة الجهات الخاضعة لرقابة الديوان مازالت دون المستوى المطلوب.


ومنذ عام 2011 وحتى عام 2016، كرر رئيس الديوان ذات الرواية حرفيا من وجود قضايا فساد مالي بمليار درهم اكتشفت عام 2010 ، وأنه تم استرداد جزء منها، يبلغ نحو 250 مليون درهم فقط، وكأن محاربة الفساد توقفت عند هذه القضية التي لم يتم استرداد باقي هذه الأموال المنهوبة.


 قضايا فساد وغياب الإجراءات الحازمة

وفيما تواصل القبضة الأمنية لجهاز أمن الدولة ملاحقة وتجريم ناشطين إماراتيين من خبراء وأكاديميين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم بل وتلاحقهم في دول العالم وصولاً إلى اختطافهم كما جرى مع الناشط عبدالرحمن بن صبيح  الذي اختطف من أندونيسيا بتهمة "ارتباطه بجمعية دعوة الإصلاح"، تتساهل السلطات في تعاملها تجاه الفاسدين ممن ينهبون ثروات الدولة ومواطنيها بدلاً من ملاحقتهم ، كما جرى في قضية الدكتور خاطر مسعد  المتهم باختلاس ما يقارب 5 مليارات دولار خلال فترة ترؤسه للهيئة رأس الخيمة للاستثمار حيث فر إلى بريطانيا بعد أن تمت إدانته من قبل المحاكم الجنائية في الإمارات بتهمة الفساد والاحتيال.


فيما كانت السلطات في سويسرا فتحت تحقيقا في تورط اثنين من المسؤولين السابقين في دولة الإمارات بقضايا فساد وغسيل أموال وعمليات نهب وسرقة، استهدفت صندوقا استثماريا ماليزيا تبلغ قيمته مليار دولار، وهما كل من  خادم القبيسي رئيس مجلس الإدارة السابق لشركة الاستثمارات البترولية الدولية (آيبيك) المملوكة لحكومة أبوظبي، و محمد بدوي الحسيني، الذي كان يشغل منصبا كبيرا في شركة "آبار" المملوكة لحكومة أبوظبي.


وكانت السلطات في الإمارات قد أصدرت أمرا العام الماضي بإعفاء القبيسي من كل مناصبه، كما أصدر مصرف الإمارات المركزي في وقت لاحق قرارا بتجميد الأصول المالية له وللحسيني، إلا أن أيا منهما لم يتم إحالته إلى أية محكمة داخل الإمارات.


ورغم قرار تجميد أموال القبيسي والحسيني أشارت وسائل إعلام إسبانية إلى قيام القبيسي ببيع إحدى أشهر ناطحات السحاب في مدريد بسعر 490 مليون يورو، مما طرح طرح تساؤلات معمقة وحرجة حول كيفية إجراء معاملات ضخمة بهذا الحجم، وأصوله مجمدة. 


كما كان الخبير الاقتصادي ناصر الشيخ الذي  تولى منصب الرئيس المالي التنفيذي في مكتب دبي أكد في عدة تغريدات على حسابه بـ"تويتر" أن نحو 440 مليون درهم من المال العام المملوك لحكومة دبي ومن يشاركها في شركة ديار قد أهدرت عمدا ولم يحاسب الجناة على ذلك".

فيما استعرض الموقع البريطاني "ديتين إن دبي" سابق الذكر، ما تعرض له الدكتور محمد حداد، الذي كان في عام 2008 رئيس و مالك 50٪ من أسهم شركة في دبي رأسمالها  500 مليون جنيه استرليني، من عملية ابتزاز وتهديد من قبل شريكه التجاري  بمساندة المستشار القانوني للشركة حبيب الملا الذي كان  رئيس مجلس إدارة مركز دبي للتحكيم الدولي حيث لجأ الملا إلى تلفيق الاتهامات لحداد وإجباره على التنازل عن حقه.


وكانت الشرطة الأوروبية أصدرت بيانا العام الماضي أكدت فيه أن دولة الإمارات باتت مركزاً تتزايد فيه عمليات الاحتيال وغسيل الأموال والاحتيال الضريبي وتم إعادة استثمارها في الإمارات، إلى جانب لجوء كبار المجرمين الماليين والاقتصاديين إلى الدولة، وما كشفه تقرير صحفي قبل أيام عن تورط نجل المخلوع علي عبدالله صالح في عمليات غسيل أموال بقيمة 150 مليون دولار عبر شركات وبنوك في الإمارات وعدة دول أخرى.


 غياب موثق للشفافية 

ويشمل مفهوم الفساد غياب الشفافية فيما يتعلق بأموال الدولة التي بدلأً من أن يتم انفاقها لصالح مواطنيها وتحسين معيشتهم ، يتم صرفها على أدوار خارجية دون الكشف عن حقيقتها والجدوى منها ، ومن ذلك ما يصرف من أموال لتمويل الحروب أو شراء والنفوذ.


فيما احتلت دولة الإمارات المرتبة الأخيرة في مؤشر لقياس الانفتاح والمساءلة بين الشعوب والمنظمات التي تقدم منحا إنسانية عالمية، وذلك وفقا لمؤشر الشفافية لمنظمة (ماذا تموّل) ومقرها لندن، حيث بلغت الأموال التي صرفت تحت عنوان "المساعدات الإنسانية "عام 2015 أكثر من 32 مليار درهم، لا يعرف أين صرفت وفي أي مجال تحديدا، وكل من يحاول المساءلة والمعرفة يكون مصيره السجن غالبا، خصوصا في ظل مجلس وطني يعجز عن توجيه سهامه للحكومة، كما بلغ إجمالي ما قدمته الإمارات لمصر أكثر من  29 مليار درهم بعد الانقلاب العسكري فيها بحسب ما كشفت عنه وزيرة التنمية الإماراتية لبنى القاسمي.


وأصدرت الأمم المتحدة دراسة حول الأسلحة الصغيرة تحت عنوان «مسح بياني حول الأسلحة الصغيرة لعام 2016: النقل والشفافية»، صنفت فيه دولة الإمارات إلى جانب إيران وكوريا الشمالية ضمن الدول الأقل شفافية في العالم.


 كما يجب توسيع مفهوم الشفافية و مكافحة الفساد ليشمل سوء التخطيط و الهدر المالي  ومن ذلك مشروع 2020 الذي أعلنته وزارة التربية والتعليم عام 2000 بخصوص تطوير قطاع التعليم في الدولة، وألغي عام2005  كونه " غير صالح" وكلف مرحلته الأولى ضعف التكلفة المقررة له بنسبة 100% دون محاسبة المتسبب بهذا الهدر المالي، إلى غير ذلك من مظاهر الفساد الإداري وخضوع كثير من التعيينات الرسمية للواسطة  والمحسوبية  والمعايير الأمنية بعيداً عن الكفاءة.


لذا من الواجب أن تركز الجهات المعنية على محاربة الفساد، وملاحقة الفاسدين ومحاسبتهم واسترداد ما نهبوه من مقدرات الدولة وثروات مواطنيها بما يساهم في بناء الوطن وازدهاره، مهما كانت مناصبهم وصلاتهم.



خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 4915
تاريخ الخبر: 29-01-2017

مواضيع ذات صلة