"عقارات الدخل المحدود".. هل تكفي لتحقيق العدالة الاجتماعية في الدولة؟

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 2263
تاريخ الخبر: 28-03-2015

اشتهرت دبي بإنشاء المشاريع العقارية الفارهة والعملاقة التي تستهدف الأثرياء والموسرين من طبقات المجتمع الإماراتي مواطنيين ومقيميين. وترتب على هذه المشروعات ارتفاع حاد في أسعار شراء العقارات واستئجارها، فنشأت مشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة، نتيجة الخلل الواضح بين الدخول والإنفاق من جهة، وبين مبدأ المساواة والتكافؤ بين جميع سكان الدولة في التمتع باستخدام الخدمات الحياتية والمعيشية من جهة ثانية. وهذا الوضع يعبر عن اختلال في ميزان العدالة الاجتماعية، الذي يبدو أن إمارة دبي تنبهت له، وتحاول إعادة التوازن له ولو بصورة ضئيلة ونسبية من خلال طرحها إنشاء عقارات لمحدودي الدخل. فما هو هذا المشروع؟ وهل يكفي لتحقيق العدالة الاجتماعية في الدولة أو في إمارة دبي على الأقل؟

استطلاع يدق جرس الخطر 
نشرت صحيفة "الاتحاد" المحلية في (9|3) الجاري نتائج استطلاع أجرته على عينة (1104) من مواطني الدولة، والمقيمين عربا وأجانب حول إرتفاع أسعار العقارات وتكلفة المعيشة بصفة عامة. وقد كشفت نتائج الاستطلاع، "إن مغادرة الإمارات يعتبر بديلا حقيقيا للمقيمين نتيجة ارتفاع نسبة إيجارات الشقق والمساكن". ومن المعروف، إن أي هجرة عكسية بصورة عشوائية ومفاجئة سيؤدي إلى أضرار اقتصادية مربكة لاقتصاد الدولة و السياسات الاقتصادية التي ينبغي أن ترتبط في الأصل بتحقيق العدالة الاجتماعية.
ووجد استطلاع الرأي الذي أنجزته مؤسسة "يوجوف" لحساب صحيفة "الاتحاد"، أن 19% من المستطلعين يعتبرون أن ارتفاع الإيجارات يدفعهم لمغادرة الدولة. ونقل الاستطلاع إجابات كيفية للمستطلعين، تمثلت بالشكوى من ارتفاع الإيجارات. والمفاجئ في نتائج الاستطلاع أن نحو 67% من الغربيين المستطلعين يفكرون بمغادرة الدولة بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة، ومنها على نحو خاص ارتفاع أسعار الإيجارات. 
الإماراتيون يكتوون أيضا بالعقارات
لم يقتصر أثر ارتفاع الإيجارات على المقيمين، فبحسب الاستطلاع أيضا، فقد عبر إماراتيون عن صعوبات معيشية أبرزها ارتفاع أسعار الإيجارات. إذ تنقل صحيفة "الاتحاد" عن مواطنة إماراتية، قولها، "لقد قارنتُ الأسعار في كل من دبي وبرشلونة الإسبانية، فوجدتُ أن أسعار الإيجارات في برشلونة هي أقل بنحو 30 في المئة". و تعزو "الاتحاد" إلى مواطنة إماراتية أخرى، قولها: "إن شراء أو استئجار منزل في دبي أو أبوظبي – حيث توجد جامعتي المفضلة – سيكلف كثيراً على المدى الطويل"، مضيفة "ستكون الكلفة أقل إذا درسنا في الخارج وسافرنا إلى الخارج". وتضيف "الطريقة الوحيدة لنستطيع تحمل تكلفة الدراسة والعيش في دبي، هي أخذ قرض من البنك أو طلب مساعدة مالية من العائلة، وهو ما لا نريد أن نفعله". وهذه التداعيات، تعبر عن صعوبات اقتصادية واجتماعية بات يدركها سكان الدولة قاطبة. 
مشروع عقارات ذوي الدخل المحدود 
أعلنت دبي في (23|3) الجاري أنها خصصت 100 هكتار لمشروع عقاري يخصص لمحدودي الدخل، وفق ما قاله عبدالله محمد رفيع مدير مساعد قطاع الهندسة والتخطيط في بلدية دبي.
وأضاف رفيع أننا خصصنا الأرض لإنشاء منازل لمن يتراوح دخلهم بين 3 و 10 آلاف درهم شهرياً في ثلاث مناطق، هي المحيصنة 4 و القوز 3 و 4. وأوضح أن المنازل سوف تكون في متناول أكثر من 5 آلاف شخص. وقال لدينا المزيد من الأراضي سوف تقام فيها عقارات من هذا النوع. وأضاف رفيع أنها أول مرة توفر بلدية دبي منازل في دبي لمن تتراوح رواتبهم بين 3 و 10 آلاف درهم شهرياً.
وقال "من الطبيعي في أي مدينة أن تخصص 15 إلى 20 % من المنازل لمحدودي الدخل واذا لم تفعل ذلك سوف يكون هناك تدفق كبير لمن يدخلون ويخرجون من المدينة كل يوم". وهذا يعبر عن اعتراف بوجود مشكلة اقتصادية نتيجة تدفق الناس بصورة "غير مسحوبة". 
ورغم وعي حكومة دبي، وبلديتها بحجم الحاجة لمشروعات كهذه، إلا أن "رفيع" أكد "أن دور البلدية يقتصر فقط على توفير الأرض وإصدار اللوائح لإنشاء المنازل الاقتصادية وهي لا تجبر أي شركة تطوير عقاري على الالتزام بهذا". مضيفا، أن شركات التطوير العقاري الراغبة فقط هي التي عليها اتباع تلك اللوائح لكنهم إذا لم يرغبوا فلن نجبر أي شركة، ولا نريد التدخل كحكومة"، على حد قوله.  
ويرى مراقبون، أن ما أعلنته بلدية دبي بعدم تبني الحكومة لهذا المشروع بصورة حقيقية، سوف يهدد فرص تحقيقه رغم أنه لا يمثل حلا كافيا لمشكلة ارتفاع الإيجارات، ومن ثم لا يقدم حلولا مناسبة لإعادة التوازن في موازين العدالة الاجتماعية المختلة بالفعل في الدولة، والتي عبر عنها الاستطلاع السابق. 
ويشير المراقبون، أن الشركات العقارية المملوكة لحكومة دبي قادرة على تنفيذ "عقارات لذوي الدخل المحدود" وبصورة قوية كما تقوم بذلك في المشروعات العقارية الكبرى داخل الدولة وخارجها. موقع ساسة بوست نشر بتاريخ (19|3) دراسة بعنوان "اليد الخفية بين الحكومة والخصخصة في دول الشرق الأوسط"،  أكد فيها، أن دبي تستخدم الشركات المملوكة لحكومتها كمحفز للتنافسية في قطاعات البناء وغيرها"، ما يعني توفر القدرة لهذه الشركات بالقيام بتشييد عقارات الدخل المحدود، ولكنها "غير راغبة" في القيام بهذا الدور، وفقا لتأكيد بلدية دبي. ولكنها تبدي التزاما جادا وقويا عندما تتعلق المشروعات العقارية "بذوي الدخل غير المحدود"!
مفارقات "الحالة العقارية" في الدولة
ومن المفارقات "العقارية" في إمارة دبي، ما أعلنته "إعمار العقارية" بتاريخ (18|3) عن إطلاق مؤسسة "إعمار الخيرية" لتكون الجهة الرئيسية المسؤولة عن تعزيز المبادرات الاجتماعية والإنسانية للمجموعة على المستويين الإقليمي والعالمي. 
وبحسب الإعلان عن المؤسسة الخيرية، فإنها تتطلع إلى ترسيخ مكانة "إعمار" كشركة رائدة عالمياً تُعنى بالقضايا الإنسانية الملحّة، وتسهم في دعمها من خلال العديد من المبادرات المسؤولة البنّاءة، بما ينسجم في المضمون والأهداف مع القيم الإدارية للشركة.
ويرى مراقبون وإماراتيون، أن "إعمار الخيرية" وعدم التزام بلدية دبي أو الحكومة بـ "عقارات ذوي الدخل المحدود"، قد يؤدي إلى إفراغ المشروع من مضمونه، وقد لا يغادر المشروع برمته الورق الذي يحوي مخططاته الهندسية.  لذلك، فإن الإماراتيين يعتبرون أن التعثر الواضح في العدالة الاجتماعية بحاجة إلى قرارات قوية ونافذة تتبناها الدولة وتعمل بها وتلزم بها مؤسساتها وتحمل ميزانيات الحكومة هذه الأعباء المالية، لتحقيق الحد المقبول من الحياة الكريمة للإماراتيين، لا أن يتحول هذا الحق إلى "صدقة أو إحسان" بيد جمعيات النفع العام كجمعية "إعمار الخيرية"، أو طرح مشروعات عقارية لذوي الدخل المحدود بصورة تطوعية لمن أراد من شركات العقارات التي لا تعرف إلا الربح المخل بقواعد العدالة الاجتماعية في الدولة. فالسكن المناسب والحياة الكريمة حق لكل مواطن وواجب على كل حكومة، تلتزم الدولة بموجبه بتوفير كل مقومات الحياة الكريمة وفق الدستور الإماراتي. 

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 2263
تاريخ الخبر: 28-03-2015

مواضيع ذات صلة