التضليل الإعلامي بالتعاطي مع المؤشرات الدولية وواقع الحريات بالإمارات

خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 16-12-2016


دأبت وسائل الإعلام الإماراتية الرسمية على ممارسة التضليل الإعلامي لا سيما فيما يتعلق بالمؤشرات الدولية سواء التي تتناول واقع الحريات العامة والتسامح أو ما يتعلق بمستوى السعادة ومعيشة المواطنين، بما يتماشى مع العقلية الأمنية في استخدام المعلومات المجتزئة وعرضها انتقائيا لخلق صورة "مثالية مصطنعة"، في ظل بيئة قمعية تتفشى فيها الأحكام السياسية وانتهاكات حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، على حد اتهامات ناشطين ومنظمات حقوقية.

تضليل فاضح حول مؤشر التسامح

وفي ظل ما شهده العام 2016 من صدور أحكام بالسجن بحق عدد من المعتقلين السياسيين بعيداً عن توفر معايير المحاكمة العادلة واستمرار الممارسات الأمنية ومصادرة حرية الرأي والتعبير، وفق الاتهامات الحقوقية وآخرها كان منظمة العفو الدولية، والموقع الحقوقي الأمريكي "أوبن ديمكراسي"، كان لافتاً ما أورده الإعلام الرسمي من حصول الإمارات على المركز الأول إقليميا والثالث عالميا على مؤشر التسامح لعام 2016، في دراسة نسبت لمعهد التنمية الإدارية بسويسرا بمناسبة اليوم العالمي للتسامح، الذي وافق (16|11|2016)، ما اظهر تقدم الإمارات على دول مثل كندا وهولندا ونيوزلندا وسنغافورة والسويد، في مؤشر التسامح.

إلا أن نظرة دقيقة لمحتويات التقرير الصادر عن المعهد المذكور يظهر أنه يقيس التنافسية العالمية فيما يتعلق بالاقتصاد، والذي يظهر أن الإمارات تراجعت وفق المؤشر من المرتبة 12 إلى المرتبة 15 بعد قطر التي حلت في المرتبة 13 كما يظهر الجدول التالي:

فيما تبين أن التقرير الذي تشير إليه وسائل الإعلام الرسمية حول التسامح هو مؤشر لجمعية "وولد فاليوز سيرفي" السويدية، ومقرها في ستوكهولم، والذي يتناول التسامح  العرقي، أي مدى تقبل شعب الدولة للأعراق الأخرى، والذي احتلت فيه الإمارات المرتبة الأولى إقليمياً في ظل ما تمر به المنطقة من حروب وصراعات وأوضاع أمنية واقتصادية متفاقمة، فيما جاءت في المرتبة الـ 65عالمياً، رغم ذلك أيضا.

( http://www.prosperity.com/download_file/view_inline/2833).

كما أشار ناشطون إلى أن أبوظبي تمارس ضغوطا مختلفة على منظمات وشخصيات دولية،  للحصول على تقارير "مصنعة" ومعدة بصورة موجهة حول واقع الحريات في الدولة. كما قامت أبوظبي بتدشين منظمات حقوقية لهذا الغرض مثل مركز جنيف لحقوق الإنسان برئاسة وزير الصحة السابق حنيف حسن والذي أقيل عام 2011 لأسباب تتعلق بالفساد أثناء تسلمه حقيبة الصحة.

لذا يبرز هنا مفهوم التسامح الذي تحاول وسائل الإعلام الرسمية الترويج له بين التسامح مع الأعراق الأخرى الذي يتحدث عنه التقرير-  رغم وجود العديد من الانتهاكات بهذا الشأن وفق تقارير دولية حيث احتلت الإمارات المرتبة 32 على مؤشر العبودية الحديثة-  وبين التسامح المطلوب مع أبناء الدولة من المواطنين وتسامح السلطة مع حرية الرأي والتعبير داخل البلاد، في ظل ما يمارس من تسلط أمني بحق الناشطين الحقوقيين عبر الاعتقالات والمحاكمات الأمنية في محاكم امن الدولة .

كما اشتملت حملات التضييق ضد المعارضين على النيل من شخوصهم وعائلاتهم وحالات قذف وقدح بحق المعتقلين، بالإضافة إلى سحب جنسيات العديد منهم وإيداعهم السجون لفترات طويلة دون محاكمة، بتهم المس بالأمن العام للدولة وتشكيل منظمات إرهابية، وفق ما يرصده المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان ومقره جنيف.

واقع بائس للحريات

ويتساءل ناشطون عن تسامح الدولة في ظل ما تشير له تقارير دولية عن المحنة الحقوقية التي تواجه الحريات في دولة الإمارات ولا سيما حرية التعبير، والتي كان آخرها ما أورده الموقع الحقوقي الأمريكي المتخصص “أوبن ديمكراسي” من تقرير له بعنوان “عندما تصبح التغريدة  تهديدا للأمن في الإمارات”،  واستهله بالقول " فكر مرتين قبل أن تنطق بتغريدة في الدولة، فقد تجد نفسك تقضي 25 عاما في السجن من أجل هذه التغريدة".

فبشكل ثابت يصنف مؤشر الديمقراطية الإمارات على أنها دولة "تسلطية" استبدادية، وحلت في المرتبة (152) بعد اليمن في تصنيف عام 2015، فهناك (262) معتقلاً  في الإمارات تمت محاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة ينتمون لـ ( 21 ) جنسية بما فيهم ( 181 ) من الإماراتيين معتقلين على خلفية  قضايا تتعلق في جوهرها بحرية انتماء المعتقلين للمعتقد بتنظيمات وجمعيات في بلدانهم، أو تعبيرهم عن آرائهم إما في شبكات التواصل أو في الحياة المدنية العادية، ، فيما أن (3%)  من هؤلاء المعتقلين تم اعتقالهم لأسباب تتعلق بالعلاقة مع منظمات تصفها أبوظبي كمنظمات إرهابية ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية والتي أثارت جدلاً واسعاً لما تتضمنه من مؤسسات وهيئات إسلامية سياسية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالإرهاب مثل منظمة كير الأمريكية وهيئة علماء المسلمين .

ولا تقتصر الانتهاكات الحقوقية على المواطنين الإماراتيين من أصحاب الرأي، بل تتعداهم لأي مواطن عربي تشتبه السلطات بحمله أفكارا حقوقية أو لمجرد تعليقه على مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات سلمية تنتقد حتى سلوك نظام الانقلاب أو تعليق على موقف لأبوظبي، وهو ما حصل مع الصحفي الأردني تيسير النجار المعتقل منذ اكثر من عام على خلفية تغريدة على موقع "فيسبوك" عام 2014، ينتقد فيها موقف الإمارات من العدوان على غزة واعتقل لاحقا وما زال حتى الآن رهن الاعتقال في ظروف بالغة السوء، بحسب عائلته.

كما تفرض أبوظبي  قيودا كبيرة على الإماراتيين فيما يخص استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والاستعانة بخبراء التجسس من مختلف دول العالم للتجسس على مواطني الدولة والمعارضين السياسيين، إذ ظهرت في قائمة أكثر الدول مراقبة للإنترنت، وقد أكدت صحيفة "نيويورك تايمز" بتقرير لها الخميس (15|12) وترجمه "الإمارات71" أن المواطنين الإماراتيين أكثر من يعانون قمع حرية التعبير.

وكان نائب مدير مكافحة الجرائم الالكترونية في إدارة البحث الجنائي في دبي، الرائد سالم عبيد سالمين قال: "سيقوم فريق من مكافحي الجرائم الالكتروني بمراقبة كل من موقع تويتر وفيسبوك"، تحت ذريعة منع جرائم الإساءة والتشهير.

نماذج أخرى من التضليل حول سعادة الدولة والمساواة

فيما ظهر أن الحرص على إظهار موضوع السعادة والريادة فيه إماراتيا دفع وسائل إعلام إماراتية لتجنب الحقيقة واللجوء للاجتزاء المخل لتسويق رؤية الدولة حول " السعادة"..

فصحيفة الخليج نشرت خلال أغسطس الماضي تقريراً نسبته إلى  موقع " بي بي سي " البريطاني حول مساعي الإمارات لتكون من الدول الاكثر سعادة في العالم والخطوات التي اتخذتها في هذا الشأن، لكن وعند العودة إلى النص الأصلي للتقرير نلحظ ما قامت به الصحيفة من اجتزاء فاضح بعيداً عن المهنية والمصداقية  لعدد من الفقرات الواردة في التقرير والتي تنتقد واقع الحريات العامة في الإمارات وتقلل من أهمية الخطوات الإماراتية في سعيا لتحقيق " السعادة" لمواطنيها، وتجاهل الإمارات حقيقة "أن الحرية السياسية معترف بها على مستوى العالم كمكون أساسي من مكونات السعادة".

كما احتلت الإمارات المرتبة 124 من أصل 144 دولة حول العالم في التقرير السنوي الـ11 لمؤشر المساواة بين الرجل والمرأة لعام 2016، الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي، وذلك رغم الحملات الإعلامية والتسويقية والمبادرات التي لا تتوقف وهي تتحدث عن تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الإمارات، وتخصيص الدولة يوم (28|8) من كل عام للاحتفال بيوم المرأة الإماراتية وتسليط الضوء على ترؤس أمل القبيسي المجلس الوطني الاتحادي، إلا أن الحقوق والحريات الخاصة بالمرأة أعمق بكثير من هذه المؤشرات التي يصفها مواطنون "بالشكلية".

و إزاء ذلك، يتساءل مراقبون، إلى متى تواصل  هذه الوسائل الإعلامية سياسة تجاهل الحقائق ورسم صورة وهمية  للتغطية على الانتهاكات والإخفاقات الرسمية في مختلف المجالات، وأين الدور الحقيقي لوسائل الإعلام في تسليط الضوء على أي تجاوزات أو انتهاكات لحقوق الإنسان والعمل على متابعتها ومعالجتها، وإلى متى تستمر سياسة  تحريف الحقائق بدل مواجهتها والعمل على معالجتها بما يخدم حقوق المواطن ويحقق ازدهار الدولة ونماءها وريادتها الحقيقية.


خاص – الإمارات 71
تاريخ الخبر: 16-12-2016

مواضيع ذات صلة