عن الجماعات الإسلامية والعنف والعبث بالتاريخ

الكـاتب : ياسر الزعاترة
عدد المشاهدات: 71
تاريخ الخبر: 23-05-2018

الجماعات الإسلامية التي يتم الحديث عنها هذه الأيام ليست طاعنة في القدم، حتى يتم العبث بتاريخها على نحو ما نتابعه في الكثير من الأحاديث السياسية والإعلامية الراهنة، في سياق من تصفية المعارك السياسية في المنطقة.
هي جماعات وتنظيمات لم يبلغ عمرها القرن بعد، بدءاً من أولها (جماعة الإخوان)، وليس انتهاء بآخرها في الساحة السورية، وفي مقدمتها جبهة النصرة (تحرير الشام لاحقاً)، وبينهما حشد من الجماعات والتنظيمات في الساحة العربية والإسلامية، بل إن الكثير من شهودها لا يزالون أحياء، ما يجعل من العبث محاولة تزوير هذا التاريخ، خاصة أن متابعته تمت عبر وسائل الإعلام، والنشرات، والكتب، والوثائق المتوافرة.
المشكلة أن هناك من يوهم نفسه بالقدرة على تزوير هذا التاريخ، عبر ما يملكه من وسائل إعلامية أو جيوش إلكترونية، لكأنه يتحدث عن جماعات مرّت عليها قرون، وسبق وجودها وجود أدوات الكتابة والنشر الحديثة.
حين يُردد كثيرون مثلاً بأن الإخوان هم حاضنة العنف الذي يشيع في المنطقة راهناً، فهم لا يعبرون بذلك عن جهل فاضح بالتاريخ فحسب، ولا عن جهل سياسي حين يكون المتحدث ممن كان على ود معهم في وقت من الأوقات، بل يعبر عن تنفيس سياسي ومحاولة للشيطنة لأهداف معروفة، كما يعبر أيضاً عن جهل بتحولات الجماعات ذات الطابع الديني والسياسي، ومرورها بمراحل مختلفة، ومراجعات كثيرة.
من قال إن الإخوان ينكرون أنهم سلكوا سبيل العمل المسلح في وقت من الأوقات؟
ذاك تاريخ قريب جداً، لكن القول مثلاً إنهم سلكوه في مصر ضد النظام هو شكل من أشكال الهرطقة، لأن التنظيم السري الذي أنشأه حسن البنا لم يكن هدفه النظام، بل الإنجليز، وحين سلك سبيلاً آخر، دون قرار من القيادة، وفي حالات محدودة، تم حلّه مباشرة وتبرأ منه المؤسس حسن البنا. تلك حكاية يعرفها أي باحث بسيط.
لكنهم سلكوا سبيل السلاح في سوريا مثلاً مطلع الثمانينات، وكانوا ضيوفاً في كثير من الدول التي تشيطنهم الآن، بل وهي تجربة تنطوي على جهل سياسي بموازين القوى في ذلك الحين، وانتهت إلى ما انتهت إليه.
بعد ذلك كان لهذه التجربة تحديداً دور محوري في حسم الإخوان خياراتهم السياسية، وإعلان البراءة من مسار السلاح داخل الدول العربية والإسلامية. وحين خاضت الجماعة الإسلامية والجهاد تجربة الصدام مع النظام في مصر، كان موقف الإخوان واضحاً منها، واستمر الحال حتى هذا الوقت، حتى حين تعرّضوا للسحق بعد الربيع العربي.
هل حمل بعضهم السلاح لاحقاً، كما في ليبيا مثلاً؟ نعم حدث ذلك، كجزء من مسار الثورة العام. هل حدث أن دعّموا فصائل في سوريا بعد الثورة وعسكرتها؟ نعم، وإن لم يشكلوا فصيلاً خاصاً بهم، وكل ذلك جزء من حالة شاملة رداً على إجرام النظام.
حمل السلاح ليس جريمة دائماً، بدليل أن من يدينونه سبق أن دعموا جماعات حملته هنا وهناك. وأدوات التغيير تفرضها ظروف الزمان والمكان وليس الأفكار وحسب، لكن العبث بالتاريخ عبر القول إن الجماعات التي تنتمي إلى فضاء القاعدة ومخرجاتها كتنظيم الدولة، وقبلها الجماعات المسلحة في الجزائر مثلاً هي جزء من منتجات الحاضنة الإخوانية لا يعدو أن يكون كلاماً بائساً وبلا قيمة، إذ إن بعض هذه المجموعات لا تتردد في تكفير الإخوان، كما أن خلفيتها واضحة ومحسومة.
على أن ذلك لا يغير في حقيقة أن العنف ليس حالة فكرية، وإنما هو نتاج ظروف موضوعية تحمل من الأفكار ما هو سائد في محيطها، حين تندلع بعد توفر تلك الظروف. وقد حدث أن كانت تجربة تنظيم الدولة منذ احتلال العراق جزءاً من ظاهرة القاعدة التي تنتمي للفضاء السلفي، مع أن المقاومة العراقية لم تكن حكراً على التنظيم، بل شملت فصائل عديدة حصلت على دعم من أنظمة عربية أيضاً.
ما ينبغي أن يُقال ختاماً أن الحملة على الإخوان لا صلة لها البتة بالعنف وحواضنه، بل ذات صلة برفض منطق الشراكة والتعددية التي عبّر عنها الربيع العربي، ولو حدث أن كان رافعو شعار التغيير من أي لون فكري آخر، لما تغير الموقف منهم. ذاك ما لن يقوله المحاربون، رغم أن الكل يعرفه حق المعرفة.

عدد المشاهدات: 71
تاريخ الخبر: 23-05-2018

مواضيع ذات صلة