حول الحراك الاحتجاجي في الأردن

الكـاتب : ياسر الزعاترة
عدد المشاهدات: 170
تاريخ الخبر: 08-06-2018

كثيرة هي الملاحظات التي يمكن التوقف عندها في سياق الحديث عن الحراك الاحتجاجي في الأردن، لكن المؤكد أن ما جرى كان ذا دلالات مهمة، بصرف النظر عن الترتيبات التالية فيما بعد استقالة الحكومة، وتشكيل الحكومة الجديدة.
لعل البعد الأهم الذي يمكن التوقف عنده، هو تلك الحيوية الاستثنائية التي أثبتها المجتمع الأردني، بخاصة أجياله الشبابية التي كان البعض يمعن في تسخيفها، وتسخيف اهتماماتها.
هذا الجيل، وكثير من أبنائه لم يدخلوا الميدان العملي بعد، ولم تثقل كواهلهم المسؤوليات التي أفضت إلى ضجر الناس من قانون الضريبة الجديدة، وقبله مسلسل السياسات الاقتصادية، هذا الجيل لم يكن سلبياً في التعامل مع تحديات مجتمعه، بل تصدر الحراك، مدافعاً عن مستقبله وطموحاته، إلى جانب الدفاع عن أهله ووطنه ومجتمعه.
من المؤكد أن قانون الضريبة الجديد، الذي مثّل القشّة التي قصمت ظهر البعير، كان قاسياً ومفاجئاً للناس، وهو يؤثر بقوة على ما تبقى من الطبقة الوسطى، لأن الأثرياء غالباً ما يكونون أكثر قدرة على التهرب من استحقاقات الضرائب، كما سيؤثر بقوة على الفقراء الذي سيعانون من تبعاته، مع العلم أن السياسات الاقتصادية خلال الأعوام الأخيرة، كانت في مجملها تعالج العجز من خلال جيب المواطن، ومن دون أن تقدم له ما يكفي من الأدلة على أنها استنفذت الوسائل الأخرى، أو أنها عالجت قضايا الفساد والهدر التي يشير إليها الناس على كل صعيد، ولا شك أن المواطنين يمكن أن يشدوا الأحزمة على البطون، ولكن حين يشعرون أن المسار الرسمي يفعل كل ما بوسعه لإصلاح الأوضاع.
على أن الذي ينبغي عدم إغفاله في سياق الحراك الأخير، هو أن الأمر لم يكن اقتصادياً وحسب، فهذا الإجماع الشعبي خلال الاحتجاجات، ومن كل الأطياف والطبقات، لم يكن ليتحقق لولا حضور البعد السياسي، وهو هنا يتمثل في شعور الجميع بأن الأردن يتعرّض لضغوط اقتصادية ذات أهداف سياسية، تتمثل في دفعه إلى القبول بمخرجات «صفقة القرن»، التي يأتي ضمّ الضفة الغربية إليه «سكاناً من دون سيادة»، كواحد من طروحاتها البارزة، وهو ما ينطوي على تصفية لقضية فلسطين، وتهديد للأردن بجعله وطناً بديلاً في الوقت ذاته.
قد يرى البعض، أن هذا البعد الأخير ينبغي أن يقنع المواطنين بقبول السياسات الاقتصادية القاسية بدل رفضها، وقد يكون ذلك محقاً على نحو ما، لكن الأصل أن تبدأ العملية بمحاربة الفساد والهدر على كل صعيد «الإصلاح الشامل بتعبير أدق»، قبل الوصول إلى جيوب محدودي الدخل، لا أن تبدأ المسيرة بالعكس.
على أية حال، فقد أثبت الأردنيون من خلال ما جرى، أن لديهم من الوعي والتلاحم الشيء الكثير، وكانوا حضاريين في احتجاجهم، وفي تجنب القمع الخشن من طرف الحكومة أيضاً، لكن الذي ينبغي عدم تجاهله فوق ذلك كله، هو الرسالة التي عبّر عنها الأردنيون كجزء من السياق العربي، فقد وجّهوا رسالة للجميع، بأن لعبة التأديب التي أعقبت ربيع العرب لم تنجح، وأن هذه جماهير الأمة ما زالت تملك حيوية كبيرة، ويمكن أن تنزل إلى الشوارع من جديد حين تستدعي الحاجة، ولن تنفع معها مقولة: «شوفوا سوريا» التي صارت لازمة تتردد هنا وهناك، على لسان أناس، بعضهم يرددها عن قناعة، وكثير منهم تبعاً لتوجيه، متجاهلين أن في سوريا نظام «أقلية» أمنياً طائفياً لا مثيل له في الوحشية، وخدمته معادلة سياسية خارجية من نوع فريد.

عدد المشاهدات: 170
تاريخ الخبر: 08-06-2018

مواضيع ذات صلة