ترمب إذ يخضع لليمين المسيحي وسرديته المتصهينة

الكـاتب : ياسر الزعاترة
عدد المشاهدات: 86
تاريخ الخبر: 11-07-2018

مؤخراً نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية افتتاحية بعنوان: «ما للإنجيليين ولنا»، تتحدث فيه عن القرارات التي يدفع إليها اليمين المسيحي في الولايات المتحدة ترمب، والتي تضرّ بمصالح الكيان الصهيوني.
ما يجب أن يُقال ابتداءً هو أن الصحيفة لا تعبر عن الرأي العام في الكيان الصهيوني، بل عن فريق صار محدود التأثير قياساً باليمين، فهي معروفة بأنها أكثر قرباً من التيار اليساري الذي تضاءل حجمه في الكيان الصهيوني، خلال العقدين الأخيرين، ومن ضمنه حزب العمل.
ولعل السؤال الأبرز في هذا السياق هو: كيف حدث أن انحاز اليمين المسيحي في الولايات المتحدة إلى الكيان الصهيوني خلال الألفية الجديدة، رغم التناقض الهائل بين الطرفين، كما تعكسه أدبياتهم الدينية وتجربتهم التاريخية؟
بدأت الرحلة من الولايات المتحدة، حيث كانت الكنائس المعمدانية الجنوبية (البروتستانتية الإنجيلية طبعاً) من أكثر الكنائس «معاداة للسامية» بحسب التصنيف اليهودي، لكنها ما لبثت أن صارت الأقرب للكيان الصهيوني، وذلك بعد هيمنتها على الحزب الجمهوري، ونجاحها في حمل جورج بوش الابن إلى الرئاسة في عام 2000.
بحسب تنظيرات تلك الكنائس الدينية، على اليهود أن يعودوا جميعاً إلى فلسطين، وذلك كي تندلع معركة «هرمجدون» الفاصلة التي تنتهي بقتل بعضهم وتنصّر البعض الآخر، وهذه المعركة برأي تلك الكنائس هي المقدمة الضرورية لعودة المسيح المخلص، كما تقول أدبياتها الدينية.
لكن اليمين الصهيوني، يرى وبانتهازية عجيبة، أن أطروحات تلك الكنائس، ورغم أنها موغلة في «عداء السامية»، أو عداء اليهود، إلا أن استثمار دعمها يُعد أمراً رائعاً. وهو ما عبرت عنه كاتبة إسرائيلية بالقول: «دعونا نستمتع بدعمها (الكنائس الإنجيلية) السياسي لدولتنا، وعندما يأتي أوان المعركة المشار إليها (هرمجدون)، فلكل حادث حديث».
افتتاحية «هآرتس» التي أشرنا إليها تؤكد ما هو معروف، وتحدثنا عنه مراراً، وهو أن قرار ترمب بنقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالمدينة عاصمة للكيان الصهيوني، إنما جاء «أولاً وقبل كل شيء لمكافأة الإنجيليين على تأييدهم الحماسي له في انتخابه وفي ولايته». وأشارت في السياق إلى مشاركة واعظين متطرفين (روبرت جيفرس وجون هايغو) في احتفال نقل السفارة، رغم أنهما كانا «أطلقا في الماضي ملاحظات مسيئة تجاه اليهود»، معتبرة أن ذلك بمثابة «الذروة في ذلك الحلف غير المقدس».
وتشير الصحيفة إلى أن في الولايات المتحدة عشرات الملايين (يُقدرون بخمسين مليوناً) من هذا الصنف، قسمهم الأكبر يؤمن بأن دولة إسرائيل تقرب المجيء الثاني لمسيحهم، وأن إقامة مملكة إسرائيل والهيكل هما الشرطان المسبقان لتحقق رؤياهم (حرب يأجوج ومأجوج وهي ذاتها «هرمجدون»)، التي سيعقبها خراب وتنصّر جماعي لليهود». ومصدر خوف الصحيفة هو أن هؤلاء «وكتحصيل حاصل، يلتصقون بالعناصر الأكثر هذياناً في السياسة الإسرائيلية، ويشجعون إسرائيل على اتخاذ سياسة متطرفة تقرب أهدافهم»، وهو ما «يؤدي إلى تآكل آخر في مكانة إسرائيل في مراكز القوة التقليدية لها، وعلى رأسها يهود الولايات المتحدة، الذين يرون في الإنجيليين تهديداً ملموساً لقيمهم».
وترى الصحيفة، وهنا أمر بالغ الأهمية، أن في ذلك «رهان خطير ومزدوج؛ فمن جهة تتنكر إسرائيل لداعمين من شأنها أن تحتاجهم حتى في نوفمبر القريب القادم، إذا ما احتل الديمقراطيون أحد المجلسين (الشيوخ أو النواب). ومن جهة أخرى، فالعالم لن يكون محصناً أبداً؛ إذ تثبت الاستطلاعات أن الإنجيليين الشباب يعارضون الدعم الأعمى لإسرائيل».
كل ذلك يمكن توصيفه كأخبار جيدة بالنسبة لنا، ذلك أن مزيداً من التطرف اليميني الأميركي في دعم الكيان، سيستفز حاضنتهم الأصلية التقليدية، ممثلة في الحزب الديمقراطي، ويستفز غالبية الأميركيين من غير التيار المذكور، في الوقت ذاته الذي يهيل التراب على أية إمكانية لتسوية مع الطرفين، لا سيما أن إجماعاً ينعقد لديهما على مسألة القدس، ومن الذي يجرؤ (من الفلسطينيين أو العرب) على توقيع تسوية تستثني المدينة المقدسة، حتى لو دعمها بعضهم بالسر.
«هآرتس» تحذر، وهي محقة بالطبع، لكن أحداً لن يستمع إليها، وتلك أخبار طيبة بالنسبة لنا، فكلما أمعن عدوك في اقتراف الأخطاء، سيكون ذلك في صالحك من دون شك.

عدد المشاهدات: 86
تاريخ الخبر: 11-07-2018

مواضيع ذات صلة