الإمارات والذكاء الاصطناعي

الكـاتب : محمد العسومي
عدد المشاهدات: 199
تاريخ الخبر: 04-10-2018

صحيفة الاتحاد - الإمارات والذكاء الاصطناعي

في سبعينيات القرن الماضي، ومن على مقاعد الحياة الجامعية، حدثنا أستاذ الاقتصاد الصناعي قائلاً، إن هناك تحولات عميقة سيشهدها العالم في السنوات القادمة باتجاه إقامة «المجتمع ما بعد الصناعي»، وإن الذكاء الاصطناعي سيهيمن على مناحي الحياة كافة في القرن القادم. وها هو العالم اليوم يعيش في ظل التنبؤات التي أشار إليها أستاذ الاقتصاد الصناعي قبل أكثر من أربعين عاماً.
والحقيقة أن الحياة في المجتمع ما بعد الصناعي ستختلف تماماً عن أنماط الحياة التي تعود عليها البشر لقرون طويلة، ففي الوقت الذي ستكون الحياة أكثر سهولة، وتتوافر فيها وسائل عديدة ستساهم في زيادة الإنتاج، وتخفيف الأعباء على العاملين، وتوفير متطلبات المعيشة، بيسر واستخدام التقنيات الجديدة لتطوير التعليم والقضاء على الأمراض (بما فيها المستعصية)، وإيجاد وسائل مواصلات واتصالات مريحة وفائقة السرعة.. فإن تحديات عديدة أخرى لابد من التعامل معها وإيجاد حلول عملية لها. والتوقعات في هذا الخصوص تشير إلى فقدان 900 مليون وظيفة حتى عام 2030 بسبب الذكاء الصناعي، إذ رغم أن وظائف جديدة سوف تستحدث، إلا أن عدد هذه الوظائف سيكون أقل، كما أنها تتطلب مهارات عالية، ربما ليس من السهل توافرها.
الجانب المهم في هذا التوجه العالمي القادم بقوة، أنه يوفر ولأول مرة فرصاً شبه متكافئة لبلدان العالم كافة، المتقدم منها، والناشئ، والنامي، لتنمية قدراته في مجال الذكاء الصناعي والإنتاج من خلال الإبداع والابتكار، إذ لا يخلو مجتمع من الموهوبين والمبدعين بشرط المحافظة عليهم، وتوفير الإمكانات والظروف الملائمة لتنمية مواهبهم وإبداعاتهم، وتحويلها إلى منتجات وثروات متجددة ومستدامة، ما يشكل التحدي الحقيقي مستقبَلاً.
هذه الحقيقة كانت واضحة لمتخذ القرار في دولة الإمارات، من خلال تركيز الجهود خلال السنوات القليلة الماضية للاهتمام بالمواهب والمبدعين، وتوفير الظروف المناسبة لإبداعاتهم، وتخصيص وزارة مستقلة للذكاء الصناعي، والتي تعتبر من أوائل الوزارات المماثلة في العالم، حيث تلتها إقامة مؤسسات للذكاء الصناعي في العديد من دول العالم، بما فيها بعض البلدان المتطورة.
لذلك يشكل التوجه الإماراتي بادرة متقدمة وريادية لحجز موقع أمامي في خارطة الاقتصاد الرقمي المبني على أسس الذكاء الصناعي، وهو أمر ربما لم يكن مألوفاً من قبل، بأن تحاول دولة ناشئة تبَنِّي مثل هذا النهج المتقدم، إلا أن تجارب تاريخية سابقة، ككوريا الجنوبية وسنغافورة وهونج كونغ، تبين بوضوح أن الدول الناشئة يمكنها أن تزاحم الكبار، بل وتتعداهم متى ما توافرت الإرادة القوية لدى القيادة والطموح لدى العاملين، وهو ما يتوافر بقوة وحزم في دولة الإمارات، حيث الاهتمام على أعلى المستويات القيادية والاندفاع والحماس لدى المواطنين والمقيمين، إذ تعمل الدولة على إيجاد الحياة الكريمة والاستقرار المعيشي والأسري للجميع.
وبالتأكيد، فإن مثل هذا التوجه المستقبلي بحاجة لاستثمارات كبيرة في البشر والاختراعات ومراكز البحوث والمختبرات، ليشكل الإنفاق عليها نسبة مهمة من الدخل القومي. وكما تم تطوير البنى التحتية للاقتصاد، فقد أضحى الاقتصاد الإماراتي من أكثر الاقتصادات النفطية تنوعاً بفضل ما قامت به الدولة من تطوير للبنى التحتية التي وفرت المستلزمات اللازمة لتنمية القطاعات غير النفطية، وتنويع مصادر الدخل، حيث حققت الإمارات نجاحاً مشهوداً في هذا المجال.
إن وضع الدولة في مكانة متقدمة على سلّم الذكاء الصناعي، سيعتمد على البنى التحتية الخاصة بالذكاء الصناعي، إذ يتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة تحولاً في تخصيص الاستثمارات اللازمة لبناء القاعدة الأساسية للذكاء الاصطناعي، حيث تمتلك دولة الإمارات القدرات المالية والبشرية الضرورية الخاصة بذلك، وهو ما يبشر بمستقبل واعد، ومكانة خاصة للدولة في المجتمع العالمي ما بعد الصناعي.

عدد المشاهدات: 199
تاريخ الخبر: 04-10-2018

مواضيع ذات صلة

ما بعد قمة العشرين
06 | ديسمبر 2018