نظام المقايضة الأوروبي الإيراني

الكـاتب : محمد العسومي
عدد المشاهدات: 81
تاريخ الخبر: 11-10-2018

صحيفة الاتحاد - نظام المقايضة الأوروبي الإيراني

يعتبر نظام المقايضة أقدم أشكال تبادل البضائع بين المشترين والبائعين، فهو ضارب في عمق التاريخ، بل يعتبر أول أشكال التبادل البدائي قبل ظهور وتداول النقود. فالإنسان قبل آلاف السنين كان يحصل على احتياجاته من خلال المقايضة، إذ يمكن للمزارع أن يقايض كمية من القمح بقطعة من القماش، كما أن مربي الماشية يبادل رأساً منها بمنتجات من الأدوات المنزلية البدائية.
ومع تطور المجتمع ظهرت بعض المعادن، كالنحاس والفضة.. كسلع وسيطة في المشتريات، ومن ثم تحول الإنسان إلى سك النقود المعدنية، وتطورت البشرية لتصل إلى التقدم الهائل في المبادلات التجارية والمالية التي تتم في لحظات وثوان قليلة بين البلدان والأفراد عبر العالم، وبأجهزة ووسائل في غاية الدقة والسرعة.
بعد كل ذلك، لم يجد الاتحاد الأوروبي المعارض للعقوبات الأميركية على إيران غير الرجوع إلى التاريخ ليتفق مع نظام الملالي في طهران على استرجاع نظام المقايضة من عمق الزمن لتطبيقه في معاملاتهم التجارية للالتفاف على نظام العقوبات ولإلقاء حبل النجاة لنظام يعيش أزمة مستفحلة ناجمة عن أعماله غير المسؤولة وتدخلاته وتحديه للمجتمع الدولي.
التساؤل المطروح بقوة هنا يقول: هل يمكن لنظام المقايضة البدائي أن يعمل في ظل عصر الاقتصاد الرقمي ووسائل الاتصال والثورة المعلوماتية؟ أول من يعرف ذلك الأوروبيون أنفسهم، ومن ثم الإيرانيون الذين جربوا هذا النظام مع الهند، وغيرها من الدول في فترة العقوبات السابقة قبل توقيع الاتفاق النووي.
كما نرى هناك تناقضاً واضحاً بين أسلوب قديم للتبادل، وبين أنظمة تجارية ومالية متقدمة، إذ إن مثل هذه الآلية لا يمكن أن تعمل بأي شكل من الأشكال، فآلة سيارة من طراز 1920 لا يمكن تركيبها لتعمل بسيارة كهربائية حديثة.
وبالتأكيد، فإن بعض أشكال المقايضة ستتم، فمقابل النفط أو الغاز ستحصل إيران على بعض احتياجاتها من السلع، كالأغذية والأدوية وبعض المعدات والآلات، إلا أن ذلك سيكون محدوداً وضمن نظام معقد للتبادل، وليس ذلك في الواقع ما تحتاجه إيران، والتي لا تعنيها هذه السلع كثيراً، فهي تريد السيولة النقدية أولاً للاستحواذ عليها من قبل المتنفذين، وثانياً، لتمويل عملياتها في دعم المنظمات الخارجية وعمليات التخريب في العديد من بلدان العالم، بما فيها البلدان الأوروبية ذاتها، والتي تحاول الالتفاف على نظام العقوبات، حيث دهمت الشرطة الفرنسية الأسبوع الماضي مركزاً إيرانياً، وصادرت أسلحة وممنوعات كانت معدة لأعمال إرهابية، كما قامت ألمانيا بتسليم بلجيكا دبلوماسياً إيرانياً حاول تفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية عقد في باريس في يونيو الماضي.
لذلك من غير المرجح أن يقوم الاتحاد الأوروبي، بل وحتى بعض الدول الأخرى، كالصين أو الهند، بدفع مشترياتها من النفط الإيراني بالعملات الصعبة، على اعتبار أن الدولار سيكون محرماً على إيران، اعتباراً من 5 نوفمبر القادم، مما يعني فشل آلية المقايضة.
وبالنتيجة، فإن النظام الإيراني في مأزق حقيقي، بل إن الخناق يشتد حوله ويفقد المزيد من المتعاطفين معه بمرور الوقت، فبعد اكتشاف فرنسا لأعماله المخلة بأمنها، تلتها ألمانيا وبلجيكا (مقر الاتحاد الأوروبي) ودول أميركا اللاتينية، كالأرجنتين، بل وحتى الصين وروسيا التي بدأت تتلمس النوايا المبيتة والخبيثة لإيران في سوريا والعراق، ما يعني أن هذه العزلة ستؤدي أيضاً إلى تقويض نظام المقايضة رغم بدائيته ومحدودية الاستفادة منه.
يبقى هناك طريق آخر يمكن سلوكه لتخرج إيران من الشرنقة التي وضعت نفسها فيها، أي التصالح مع المجتمع الدولي ووقف تمويل الإرهاب والتدخل في شؤون الآخرين والتحول إلى لعب دور إيجابي في حل أزمات المنطقة والانسجام مع وضعها وإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية المتواضعة، بعيداً عن التهويل، ما سينعكس إيجابياً على أوضاعها، ويساهم في حل أزماتها الاقتصادية المستعصية.

عدد المشاهدات: 81
تاريخ الخبر: 11-10-2018

مواضيع ذات صلة

أزمات العملات
27 | سبتمبر 2018
صيف بريطاني ساخن
06 | سبتمبر 2018