التجارة الإلكترونية والمراكز التجارية

الكـاتب : محمد العسومي
عدد المشاهدات: 139
تاريخ الخبر: 25-10-2018

صحيفة الاتحاد - التجارة الإلكترونية والمراكز التجارية

تنتشر التجارة الإلكترونية بأسرع مما كان متوقعاً، فارضةً تحديات وقيماً تجارية جديدة لم يألفها العالم من قبل، مما يوجِد تناقضاً صارخاً بين أساليب تجارية تقليدية مضت عليها آلاف السنين وبين تقنية متطورة سهلة وأقل تكلفة للبائع والمشتري معاً.
كيف يمكن حل هذا التناقض بين مصالح تجار وموزعين تقليديين، وبين شركات مساهمة عامة حديثة وفرت وسائل وسرعة في المعاملات لم تكن معروفة من قبل؟ بداية يمكن الاعتراف، بأنه ليس من السهل حل هذا التناقض، بل لا يمكن إيجاد حل وسط أو مساومة بأي وجه من الوجوه؛ فالجديد عادة ما يزيح القديم من طريقه بفضل ما يجلبه من أفضلية ورقي.
وفي هذا الجانب يمكن مثلا الإشارة إلى الدعوات التي برزت في بعض الدول الاسكندنافية مؤخراً، والتي تدعو إلى منع نشاط شركة «أمازون» للتجارة الإلكترونية من العمل بعد أن أضرت بمحال بيع التجزئة، وبالأخص المراكز التجارية، وأدت إلى إفلاسات، وزادت من أعداد العاطلين عن العمل.. بينما لا تضيف «أمازون» الكثير لاقتصادات هذه البلدان بحكم ارتباطها بالخارج.
أما على الضفة الأخرى من الأطلسي وفي موطن «أمازون»، باعتبارها أكبر وأهم شركات التجارة الإلكترونية، فقد أعلنت شركة «سيرز» الأميركية لتجارة التجزئة إفلاسها، وهي شركة عريقة تأسست في عام 1886، أي قبل أكثر من 130 عاماً، وطلبت حمايتها من الدائنين وفق الفصل 11 من قانون الإفلاس، وذلك لعدم قدرتها على منافسة التجارة الإلكترونية، كما قررت إغلاق 142 من محالها بحلول نهاية العام الجاري. وقد سبقتها شركة «تويز آر أس» التي قامت في مارس الماضي بتصفية 735 محلًا. وقد حاولت هذه الشركات، وغيرها من شركات التجزئة، مقاومة المنافسة الشرسة من شركات التجارة الإلكترونية عبر إعادة الهيكلة.
العواقب هنا لا تقتصر على شركات تجارة التجزئة فحسب، وإنما تمتد تأثيراتها إلى سوق العمل، وملاك المراكز التجارية، وحجم الرسوم والضرائب التي تشكل مصدراً هاماً للكثير من بلدان العالم، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على الموازنات العامة.
هل هناك من حلول لهذا المعضلة؟ ربما، إلا أنه بالتأكيد لا يكمن في منع «أمازون» وغيرها من شركات التجارة الإلكترونية، كما يدعو البعض في الدول الاسكندنافية، إذ أن ذلك قرار سهل ولا يتطلب الكثير من الجهد، لكن الأمر الأهم يكمن في تنظيم إقامة المراكز التجارية والعمل على تنويع أنشطتها لتضم إلى جانب تجارة التجزئة أماكنَ عامة للترفيه العائلي والخدمات العامة وتشجيع المحال العاملة فيها على تطوير أعمالها لتشمل التجارة الإلكترونية إلى جانب البيع بالتجزئة.
هناك العديد من المخارج، لكن ذلك لا يعني أن الكثير من تجار التجزئة من شركات وأفراد سيجدون أنفسهم خارج السوق، فالمنافسة تشتد، وإذا كانت شركات كبرى وعريقة، مثل «كسيرز» و«تويز آر اس»، لم تتمكن من المنافسة والتكييف قدر الإمكان، فإن الشركات الأصغر والأقل خبرة ستعاني بصورة أكبر لعدم قدرتها على المنافسة.
وفي نفس الوقت، فإن هذا التحدي لن يواجهه تجار التجزئة لوحدهم، بل إنه تحد لغرف التجارة والصناعة ولوزارات الاقتصاد في كافة بلدان العالم. فتنظيم عمل شركات التجارة الإلكترونية مثلاً لابد أن يمثل أولوية لجهات تنظيم العمل التجاري، فالتشريعات والقوانين والأنظمة يمكن أن تساهم بصورة فعالة في التأقلم مع المستجدات الناجمة عن التقدم التقني، أي أن الأمر بحاجة لتعاون وتكاتف كافة الأطراف في القطاعين العام والخاص لوضع تصورات ومخارج تقلل من تأثيرات التقدم الإلكتروني وفي نفس الوقت تحافظ على المواقع والمكاسب ضمن هذه التغييرات التي ستتجذر وتزداد قوة في السنوات القادمة.

عدد المشاهدات: 139
تاريخ الخبر: 25-10-2018

مواضيع ذات صلة

ما بعد قمة العشرين
06 | ديسمبر 2018
ترامب وأوبك
18 | اكتوبر 2018