بين الإلحاد والانتماء

الكـاتب : محمد الباهلي
عدد المشاهدات: 303
تاريخ الخبر: 11-01-2019

ضمن سلسلة إصدارات «هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف»، هناك كتاب بعنوان «وهم الإلحاد» لمؤلفه الدكتور عمرو الشريف. وقد جاء هذا الكتاب ضمن الجهود الواسعة التي تبذلها هيئات الأزهر الشريف، وفي مقدمتها هيئة كبار علمائه، لمحاربة ظاهرة الإلحاد وما يتفرع عنها من ظواهر فكرية واجتماعية.

وقد تحدث الدكتور عمرو الشريف في كتابه هذا عن قضية الإلحاد بصورة تفصيلية واسعة، وبالأخص عن الإلحاد المعاصر عامة والإلحاد في العالم الإسلامي خصوصاً، وبيّن أن الإلحاد المعاصر هو منتج أوروبي انتقل إلى بلاد المسلمين في العصر الحديث. وفي هذا الخصوص يؤكد المؤلف على نقطتين مهمتين على صلة بموضوع كتابه:

الأولى هي أن العالم الشهير إسحاق نيوتن، صاحب قانون الجاذبية وقوانين الحركة الثلاثية، والذي قوضت إنجازاتُه العلميةُ أركان هيمنة الكنيسة في الغرب، «كان مسيحياً ورعاً».

والثانية هي أن الثورة العلمية التي نتجت عنها الحضارة الغربية المعاصرة كان لها بالفعل أثر مدمر للدين في الغرب، وقد أعقبتها أكبر موجة إلحاد في التاريخ كله تقريباً، حتى أن ملك إنجلترا كان يشتكي من أن أكثر من نصف أساقفة كنيسته ملاحدة.. ذلك أن الحضارة الحديثة هي بالأساس حضارة عقلانية مادية وإنجازاتها الأكثر أهمية إنما تقع في هذا المجال حصراً.

وكما يلاحظ المؤلف فإن ظاهرة الإلحاد هي نتاجٌ لرؤية مادية استبعدت الكثير من العناصر الأخلاقية والإنسانية بغية تبسيط الواقع والتحكم فيه. وإن كان لهذه الرؤية إنجازاتها الكبيرة، فإن لها أيضاً إخفاقاتٌ لا تقل ضخامة: الأزمة البيئية، الحروب المسلحة، فقدان اليقين وغياب المعنى، تحول الوسائل إلى غايات.. إنها إخفاقات تنبع من المصدر ذاته الذي جاءت منه أهم إنجازات الحداثة، أي الرؤية المادية للحضارة الحديثة وأساسها الفلسفي، ومن ضمنه نظرية التطور للبيولوجي تشارلز داروين التي طرحها عام 1859 بين دفتي كتابه «أصل الأنواع»، وكانت فتيلا جديداً لصراع لا يهدأ بين الملاحدة والمتدينين، رغم أن داروين نفسه «كان مؤمناً بالإله»، حيث يقول في مذكراته الذاتية: «من الصعب جداً، بل من المستحيل أن يكون هناك كون هائل مثل كوننا هذا، وبه مخلوق يتمتع بقدرات كقدراتنا الإنسانية الهائلة، قد نشأ منذ البداية بمحض الصدفة العمياء، أو فقط لأن الحاجة أم الاختراع.. وعندما أبحث عن السبب الأول وراء هذا الوجود، أجدني مدفوعاً إلى القول بمصدر ذكي وقادر، لذا فإني أؤمن بوجود الإله».

وقد قسّم الدكتور عمرو الشريف الإلحاد إلى ثلاث مجموعات:

1- علماء وفلاسفة تبنوا الإلحاد ثم وجدوا في نظرية التطور الدارويني حجتهم العلمية الكبرى.

2- شيوعيون يريدون تحويل المجتمعات البشرية إلى مستعمرات من النمل والنحل، وهو ما يتطلب نفي المعتقدات الدينية والقضاء عليها ولو بالقوة.

3- صامتون من كل الديانات والمجتمعات والأجناس، فهم لديهم شك لكنهم لا يطرحونه للنقاش، وينضاف إليهم التغريبيون المؤدلجون.

ومن الملاحظات المهمة التي يسجلها الدكتور عمرو في كتابه، أن غالبية من اعتنقوا الإلحاد في بداية حياتهم من المفكرين والفلاسفة العرب، عادوا إلى رشدهم ودينهم وانتمائهم الحضاري في نهاية حياتهم. ويذكر من هؤلاء الدكتور عبدالرحمن بدوي، والدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور طه حسين، ومحمد حسين هيكل، والدكتور سليمان مظهر، وخالد محمد خالد، والدكتور مصطفى محمود، والدكتور عبدالوهاب المسيري.

عدد المشاهدات: 303
تاريخ الخبر: 11-01-2019

مواضيع ذات صلة

بين الشك واليقين
07 | يونيو 2019
سفراء الإسلام
24 | مايو 2019