يقف خلفه أبوظبي.. التشكيك في "البخاري" عبث أمني لا نقاش علمي! (1-2)

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 1209
تاريخ الخبر: 17-03-2019

عندما يشكك في صحيح البخاري من هو "سلفي"، ويدافع عنه "الصوفي"، وعندما يقف خلف حملة التشكيك جهاز أمن، ويتصدى للتشكيك جهاز أمن آخر، وعندما تدعم أبوظبي جماعات سلفية معينة وتحارب سلفيين آخرين، فاعلم أنك لست أمام أحجية. ستكون، ببساطة، أمام أبشع استغلال للدين وتوظيفه من جانب جهاز أمن الدولة في أبوظبي، مدعوما من شخصيات أمنية وتنفيذية "عليا". فما هي حملة التشكيك بصحيح البخاري وخلفياتها وسياقاتها، وهل هي حملة معزولة أم حملة منظمة ومنسقة، وهل هي نتاج بحث علمي أم توجهات أمنية وأيدولوجية؟!

التشكيك بـ"الصحيح"

لم يبدأ التشكيك بصحيح البخاري في الأيام الأخيرة القليلة الماضية، ولم يكن مهد الحملة الإمارات؛ فقد سبقها بنحو عامين تشكيك إعلاميين مصريين محسوبين على نظام السيسي في وسائل إعلام مصرية، تمويلها إماراتي بحسب مراقبين. ويشترك نظام السيسي وأبوظبي في ذات التوجهات الدينية: وهي استغلال الدين فيما يمكن توظيفه لصالحهم سياسيا، ونزع القداسة عن النصوص التي تتعارض مع سياساتهم.

أما إماراتيا، فقد استهلت الحملة الأكاديمية موزة غباش والتي اضطرت للتراجع عن وصف "الصحيح" بالمتخلف تحت وطأة رفض شعب الإمارات، والذي يؤكد في كل مرة أن دينه وعقيدته خط أحمر، من غير المسموح لأي جهاز أو شخصية أن تعبث به.

وعلى الأثر، أقحم مفسر الأحلام وسيم يوسف (من المفترض أنه سلفي) نفسه بالحملة، مستغلا أنه خطيب مسجد الشيخ زايد ليذهب بعيدا في التشكيك بالبخاري. وهو تشكيك أيدولوجي وليس شكا علميا، كما فعل الإمام البخاري نفسه عندما أخضع الأحاديث لمنهجية علمية من الشك العلمي المنضبط والرصين، ليخرج لنا بأصح كتاب بعد القرآن الكريم، وإن خضع الصحيح نفسه طوال القرون الماضية للبحث والتقصي العلمي الحسن والمطلوب.

ولكن، الحملة التي نحن بصددها، يؤكد مراقبون، أنها بعيدة عن الدوافع العلمية، وإنما هي تعبير عن جهود مستمرة لأبوظبي منذ هجمات سبتمبر 2001، وانخراطها في مشروع أمريكي يسعى لخلق نسخة "معتدلة" من الإسلام باستثمار الصوفية، وضرب السلفية وغيرها من التيارات الإسلامية. ومن المعروف، أن صحيح البخاري يشكل العمود الفقري للأحاديث النبوية التي يستند عليها المنهج السلفي وعموم الأمة. لذلك، فإن استهداف البخاري هو وسيلة لضرب ارتباط الأمة بثوابتها وعقيدتها و بجزء كبير جدا من مصادرها التشريعية والشرعية التي توفره الأحاديث الصحيحة.

لماذا التشكيك في الصحيح

كما هو ثابت، فإن القرآن الكريم جاء عاما ومجملا في كثير من أحكامه، فكانت السنة النبوية هي المنهج والممارسة التفصيلية القولية والعملية لما جاء في القرآن. وعندما يتم ضرب الصحيح والسنة بهذه الحملة، فإن القرآن وحده لا يقدم الكثير من أحكام المعاملات والعبادات والعقائد، ما يعني خضوع هذه المجالات لما يريده هذا النظام أو ذاك، بحجة عدم وجود نص قرآني.

فالسنة النبوية، وخاصة الأحاديث، هي القيد على تهور ونزق هذه الجهة أو تلك، وهي الحامية والضامنة لتفسير حسن ومقبول للقرآن لدى عموم الأمة، لذلك، تقوم الحملة على ضرب هذه الثوابت لإفساح المجال لمل الفراغ بأهواء السلطة هنا وهناك، بحسب مراقبين.

أبوظبي تقود الحملة ضد السنة والبخاري

عندما تساءل النائب الكويتي السابق مبارك الدويلة في أحد برامجه، لماذا تعادي أبوظبي التجارب السنية وأهل السنة، أثار غضب أبوظبي والتي سعت لمحاكمته بتهمة الإساءة للإمارات، كان الدويلة وعموم الإماراتيين والخليجيين يدركون خطورة وأهمية هذا التساؤل، الذي ثبت أنه منطقي وله إجابات محددة.

فبعد هجمات سبتمبر، بدأت واشنطن جهدا منظما لسلخ المسلمين عن جزء كبير من مكونات عقيدتهم، وهي السنة، وخلق فصيل "صوفي" يملأ فراغ السلفيين والتيارات الإسلامية بصفة عامة. أبوظبي التي كانت تبحث عن دور في تلك المرحلة لتكفر عن اعترافها بنظام طالبان في أفغانستان، تحمست للطرح الأمريكي وانخرطت فيه بكل قوة.

ولكن الدور الإماراتي، القوي والملموس، بدأ فعليا بعد الربيع العربي، الذي تشكل عموده الفقري من التيارات الإسلامية ولا سيما تيارات الإسلام الوسطي التي استطاعت أن تكون خيارات الشعوب في جميع الاستحقاقات الانتخابية التي مرت بها مصر وتونس وليبيا وغيرها.

وجاء في كتاب "شبكة التصوف السياسي في أبوظبي و خطرها على أمن المملكة العربية السعودية"، "مثلت استراتيجية تحشيد التصوف السياسي أحد أهم أضلاع المشروع الغربي في مواجهة السلفية. وعلى إثر اندلاع الربيع العربي، أقحمت نظم المنطقة حركات التصوف في أجندات أمنها الوطني وعملت أجهزة استخبارات هذه الدول على تنمية قدرات هذه الطرق وتأهيل كوادرها لممارسة دور سياسي فاعل".

وأضاف الكتاب "لكن المعضلة الأكبر في مسيرة التصوف الإسلامي تكمن في عقلية مموليه الذين يواجهون الكراهية بكراهية، ويناكفون خصومهم بعبثية تشكل خطرا على أمن دول المنطقة. ويدعون إلى تحقيق السلم الأهلي عبر سياسات الإقصاء والتحريض".

السياق السياسي والموضوعي لحملة أبوظبي ضد السنة

داخليا، عززت أبوظبي من الحضور الصوفي في المساجد وكل مناحي الشأن الديني مع استبعاد السلفيين وعزلهم في حلقات علم بلا أهمية أو قيمة، وأفسحت المجال للخطاب الصوفي وممارساته نكاية في السعودية بدرجة أساسية، ثم لضرب التنوع الفكري في الإمارات.

فداخليا، تم خفض الحصص الأسبوعية لمادة التربية الإسلامية وتم فرض مادة "التربية الأخلاقية" على الطلاب لتكون بديلا عن الطرح الإسلامي، من خلال طرح فلسفي لا ديني. وإلى جانب ذلك، فرضت أبوظبي كتاب "السراب" لجمال السويدي الذي تضمن انتقادات واضحة ومحددة ضد العقيدة الإسلامية والسنة، على طلبة الثاني عشر وبات جزءا من مناهجهم.

ومما زعمه السويدي، أن "الدعوة لإحياء الإسلام في الوقت الراهن، ليست إلا نسخة مسيسة جدا من الإسلام"،  معتبرا أن " تنامي العامل الديني ظاهرة سياسية فقط ولا ترتبط بأي منحى لتجديد العقيدة وإحياء الفكر الديني".

وعلى سبيل ضرب الموروث السني، قال: رفض محمد عبده خضوع المسلمين لقواعد وقوانين تلائم ظروفا مضت، ورفض أن يكون للشريعة تصور واحد وقواعد قاطعة.

وأعاب السويدي على الإسلاميين سعيهم العودة إلى السلف واعتبارهم أن الخلفاء الراشدين قدوة سياسية واجتماعية واقتصادية، وانتقد سعيهم إعادة بناء نموذج الخلافة كما كان في عهد الخلفاء الراشدين، حيث "تتجمع السلطات في شخص واحد". وأعاب أيضا، على الإسلاميين إيمانهم بالشريعة منهجا للحياة.

لذلك، رأينا كيف أن "السلفي" وسيم يوسف وهو المحسوب على جهاز أمن أبوظبي يقدح بصحيح البخاري، ورأينا أن كبير المفتين في دبي وهو صوفي التوجه يدافع عن صحيح البخاري في مقال له بصحيفة "الإمارات اليوم"، بتاريخ 15 مارس. كما كشفت القضية كيف أن جهاز أمن أبوظبي يقف خلف وسيم يوسف وعلي بن تميم بهذه المسألة، وكيف أن نائب رئيس الشرطة في دبي ضاحي خلفان وقف حائط صد عنيد ضد التشكيك بصحيح البخاري وهو يتربع على رأس جهاز أمني.

هذا الوضع الغريب، دفع الناشط الإماراتي حمد الشامسي للتأكيد أن الخلاف بين وسيم يوسف وضاحي خلفان هو خلاف حقيقي ويمثل صراعا بين جهاز أمن الدولة في أبوظبي ونظيره في دبي.

يتبع..

خاص – الإمارات 71
عدد المشاهدات: 1209
تاريخ الخبر: 17-03-2019

مواضيع ذات صلة