الحج.. معانٍ وأسرار

الكـاتب : محمد الباهلي
تاريخ الخبر: 09-08-2019

صحيفة الاتحاد - الحج.. معانٍ وأسرار

يمثل الحج في حياة المسلم والمجتمع الإسلامي شعيرة عظيمة، باعتباره الركن الخامس من أركان الإسلام، ولكونه فرصة سنوية عظيمة يمكن من خلالها أن يتغير حال المسلم، فينتقل من مرحلة الضعف والتمزق الروحي الداخلي إلى مرحلة القوة والإيمان والثبات والتقوى، أما على مستوى الأمة الإسلامية عموماً، فإن الحج يمثل الوحدة والترابط الوثيق بين المسلمين بمختلف انتماءاتهم، لذا فإنه بالحج تتحقق للفرد المسلم وللأمة الإسلامية منافع وخيرات كثيرة، على أساس كونه المدرسة الإيمانية الكبيرة للمسلمين، كأفراد وكمجتمع، إذ من المفترض أن يتزود الجميع من خلاله بالطاقة الروحية والإيمانية التي تعينهم على مواجهة مصاعب الحياة وتحديات العصر، إن الحج يجدد حياة المسلم، فمنه يتعلم كيف يوثق علاقاته بربه، وكيف يربي نفسه على مكارم الأخلاق، وكيف يطور ذاته ويغيرها، ويشحنها بالهمة وقوة الإرادة ويقظة الضمير وحسن الإدراك.
الحج هو الجامعة الإسلامية التي تلم شمل المسلمين مرة في كل عام، ولذلك فهم اليوم مطالبون بأن يستغلوا هذه الفرصة العظيمة، وبأن يجعلوا من مناسكها قاعدة أساسية ليقظة الضمير وتغذية الروح واكتساب الدافعية النفسية، ليكون لهم مساهمة في حاضر العالم وفي صناعة مستقبله، وذلك بأن يقرأوا هذه المناسك بعيون حية قراءةً دقيقة وجيدة، وأن يتعمقوا فيها حتى لا تتحول الرحلة السنوية المقدسة إلى مجرد نزهة سياحية، يرجع بعدها الحاج كما ذهب؛ يحقد على هذا، ويأكل مال ذاك، ويظلم هذا، ويسفك دم ذاك، ويغش هذا، ويخدع ذاك، ويتآمر على هذا، ويخون ذاك.. كما يعود لحاله السابق؛ يكذب ويسرق ويمشي بالنميمة، ويحث على الفتنة وإثارتها.
الحج المبرور والمقبول، معناه أن يقلع الإنسان عن كل المظاهر السلوكية السلبية والهدّامة، أي المحرّمة شرعاً، وأن يندم ويتأثر ويخشع ويتغير ويلتزم في حياته بالطريق المستقيم الذي لا شائبة فيه.
والحجاج مثل الجنود في قيامهم وقعودهم المنتظمين، وفي اتجاههم نحو وجهة واحدة، وفي التزامهم بقواعد مشتركة، والحج حسب الفيلسوف محمد إقبال، يمثل انبعاثاً جديداً وإعادة بناء، وهو كما يرى «إقبال» ليس مجرد رحلة روحية تهيئ الفرد للآخرة، بل هو كذلك صحوة شاملة تحمل المجتمع كله على إعادة صياغة نفسه، عبر إيجاد دور وهدف له في التاريخ.
وحسب روبرت بيانكي، في كتابه «ضيوف الرحمن»، الحج هو أعظم اجتماع إنساني على وجه الأرض، وهو موسم تنصهر فيه الهموم العامة والخاصة، الدينية والدنيوية.. في بوتقة واحدة، مما يدفع المجتمع إلى تجديد نفسه، وإعادة النظر في موقفه ضمن مسار التاريخ الإنساني ككل.
إن المتأمل بعمق في معاني الحج وأركانه وشعائره ومناسكه، سيجد فيه الكثير من الأسرار والحكم التي حاول العلماء منذ قرون طويلة استنباطها، وإمعان النظر في جواهرها، لذلك فإنه على المسلم الذاهب إلى الحج أن يدرك الحكمة من هذه الفريضة الدينية العظيمة، وأن يعرف الأسرار والمعاني الدالة على عظمة المكان، وروح كل منسك يؤديه فيه، وأن يتدبر مقاصد وأهداف الفريضة، وأن يتأمل ما يدعو إليه الحج نفسه.

تاريخ الخبر: 09-08-2019

مواضيع ذات صلة

فكرة المؤامرة
12 | يوليو 2019