سياسة الرعب

الكـاتب : ياسر الزعاترة
تاريخ الخبر: 08-01-2020

لكل نظام سياسته في إدارة الشأن الداخلي وفي التعامل مع مجتمعه، وله في ذلك تقديره الخاص لتبعات تلك السياسة.
أفرز الربيع العربي حالات مختلفة من السياسات لدى الأنظمة؛ كلٌّ بحسب تقديره لحاجاته الذاتية، لا سيّما أن الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية -وربما من أنظمة العالم الثالث- ما زالت تدير سياساتها الداخلية والخارجية على إيقاع مصلحة نخبها الحاكمة، أكثر من مصالح الأوطان والشعوب.
وحين تتقدّم مصالح النخب الحاكمة على مصالح الأوطان والشعوب، فمن الطبيعي أن تحدث الكوارث -متباينة السوء- على تلك الشعوب والأوطان، ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعيد الاقتصادي أيضاً؛ حيث يتفشى الفساد بعد زواج السلطة والثروة، وتشرع الطبقة الوسطى في التلاشي لحساب فئة محدودة ثرية، تقابلها غالبية فقيرة. ويتفاوت الأمر -بطبيعة الحال- حسب وضع ذلك البلد من حيث الإمكانات والثروات.
بعد الربيع العربي ازدادت مخاوف النخب الحاكمة في العديد من الدول من حراك الشعوب، سواء مرّت بالتجربة أم وصلتها بعض ارتداداتها عبر حراكات مطلبية بسيطة على شكل عرائض وما شابه، وكانت النتيجة تتمثل في سياسات خارجية تركّز على حصار الربيع العربي وإجهاض مسيرته، وفي سياسات داخلية تُلجم أي حراك داخلي عبر «سياسة الرعب».
على هذه الخلفية تابعنا، ونتابع، أشكالاً من سياسة الرعب تلك في عدد لا بأس به من الدول، ويكفي أن تغدو تغريدة بسيطة كافية لسجن إنسان، حتى ندرك أية سياسة بطش تنتهجها تلك الأنظمة كي تمنع أي حراك من أي نوع يطالبها بالإصلاح السياسي، فيما ذهب بعضها إلى شنّ حرب شرسة على ما يُسمى «الإسلام السياسي»، ثم على التديّن بوصفه حاضنة لقواه (قوى الإسلام السياسي)، وذلك عبر سياسات اجتماعية ودينية من لون آخر، سواء ذهبت نحو تغيير منظومة المجتمع الثقافية والاجتماعية، أم ذهبت في اتجاه الحديث عن إعادة النظر في المنظومة الدينية برمتها.
الآن، يمكن القول إن عدداً من الأنظمة قد بدأ يطبّق سياسة العرب بشكل رهيب، وهي تطارد كل ألوان الطيف السياسي بلا استثناء؛ ما دام لا يخضع تمام الخضوع لما تريده أو تفرضه من سياسات. ويكفي أن يدخل أحدهم السجن لأنه انتقد نشاطاً ثقافياً أو اجتماعياً حتى ندرك أن تلك الأنظمة تعيش حالة توتّر عجيبة.
والمثير للاستغراب أن كثيراً من تلك الأنظمة ما زالت تواجه تحديات خارجية كبيرة. وفي حين يقول المنطق إن أي نظام يواجه مثل تلك التحديات ينبغي أن يذهب في اتجاه مصالحات داخلية، فإن تلك الأنظمة تفعل العكس، ما يؤدي إلى فشلها في التحدي الخارجي، في الوقت ذاته الذي تفشل فيه في كسب الناس إلى صفها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن لتلك الأنظمة، وبعد أن كسرت الشعوب حاجز الخوف، وفي ظل الثورة التكنولوجية ومواقع التواصل؛ أن تواصل هذا النهج الفاشل على الصعيدين الداخلي والخارجي، من دون أن يؤدّي ذلك إلى انفجارات شعبية قادمة؟
إن الفشل الداخلي -ممثلاً في القمع والفشل الاقتصادي- يبدو كافياً لإثارة الناس، لكنه حين يتزامن مع فشل خارجي في مواجهة تحديات الأمن القومي من جهة، وفي التعامل مع قضايا الأمة الأخرى من جهة أخرى، وصولاً إلى التآمر عليها؛ فسيكون الموقف أكثر إثارة، ولن تكون سياسة الرعب كافية للجمه في المدى المتوسط، وإن حدث ذلك في المدى القريب، وفي ظل أجواء إقليمية غير مواتية.
المصالحات الداخلية هي الأولوية التي ينبغي أن تركز عليها تلك الأنظمة، وحين تفعل ذلك، فستقف المجتمعات بجانبها في مواجهة التحديات الخارجية، بل يمكن لتلك المجتمعات أن تكتفي بقدر معقول من الإصلاح لا يرقى إلى مستوى طموحاتها، من باب تقديم الأولويات؛ فقد كانت، وستبقى، أكثر وطنية وانتماءً من كثير من النخب الحاكمة التي لا ترى أي شيء إلا من زاوية مصلحتها.

تاريخ الخبر: 08-01-2020

مواضيع ذات صلة