مجهولو النسب.. مأساة إنسانية وافدة يدفع ثمنها الوطن

عدد المشاهدات: 1661
تاريخ الخبر: 30-11--0001

نتج عن التنوع الكبير في التركيبة السكانية في الدولة، قدوم أنواع من الجرائم والجنايات والأزمات والظواهر الدخيلة التي لا يعرفها الإماراتيون، وليسوا أطرافا فيها، بل غالبا ما يكونون ضحاياها. من أبرز تلك الظواهر الإنسانية المروعة هو تفشي ظاهرة "مجهولي النسب" في السنوات الأخيرة بصورة متسارعة ومؤرقة. فوجود ثقافات وجنسيات متنوعة في الإمارات، سبّب ضمن الآثار الجانبية لهذا التواجد الكثيف، قيام علاقات غير مشروعة بين أفراد هذه الجنسيات التي تثمر مولوداً غير شرعي، بالإضافة إلى مشكلات قد تنتج بين الطرفين وعدم ثبوت البنوة، فتعمد الأم إلى التخلص منه بإلقائه بطريقة غير إنسانية في الشارع العام. وعندها، تتحول جريمة العلاقات غير المشروعة، إلى جريمة إنسانية بالغة القسوة، لا تستطيع دولة كدولة الإمارات، ذات قيم ومنطلقات إنسانية أن تدير ظهرها لبكاء رضيع أنهكه الجوع والعطش والبرد أو الحر. ولعل هذا الوازع الإنساني الفريد الذي يتمتع به المجتمع الإماراتي هو ما أغرى باستفحال هذه الظاهرة. وليس المطروح بطبيعة الحال، أن يتخلى الإماراتيون عن إنسانيتهم لمعالجة هذه الظاهرة، وإنما أن تكون مواجهتها بصورة أكثر حسما وفاعلية.

الدولة ومجهولو النسب

تسبق الدولة، بتشريعاتها وقوانينها، المجتمع فيما يتعلق بقضية مجهولي النسب؛ فالدولة عبر سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية تسن قوانين، وتضع آليات، وتراقب تنفيذها لضمان حماية الأطفال، ومن ضمنهم مجهولو النسب، وتوفير أفضل الخدمات لهم، ليشبّوا ضمن بيئة صحية ونفسية سليمة، ويسهموا في مسيرة البناء والتنمية في مجتمعهم ودولتهم.

المجتمع بين نوازع الحذر والإنسانية     

في المقابل، فإن المجتمع في الإمارات ما يزال ينظر بعين متشككة تجاه هذه الفئة التي لا ذنب لها فيما آلت إليه، حيث تعرقل هذه النظرة مسيرة حياة مجهول النسب، خصوصاً ما يتعلق بالزواج والحياة الاجتماعية في مجتمع يحفظ للقبيلة والعائلة الممتدة مكانتها. وعلى الرغم من الإقبال الكبير من أسر مواطنة على حضانة مجهولي النسب ورعايتهم، إلا أن النظرة السلبية لهم، تجعل من النادر، إن لم يكن من المستحيل، مصادفة شخص يعلن أنه مجهول نسب، حتى أن العائلات الحاضنة تتجنب التصريح بأنها تحتضن طفلاً مجهول النسب، وتفضل أن تبقى معرفة الناس بذلك في حدودها الدنيا.

أوضاع مجهولي النسب    

اعتبرت مريم الإيماني أن الأطفال مجهولي النسب شأنهم شأن غيرهم ممن يعيشون في كنف آبائهم ويحصلون على الأمان والراحة وجميع احتياجاتهم، إلا أنهم لا يعرفون آباءهم البيولوجيين، وهذا هو الأمر الوحيد الذي قد يؤثر عليهم، ويضعهم في مواقف، ويؤثر على نفسياتهم.

وأضافت أن هؤلاء الأطفال لهم الحق في التعليم والصحة والحياة الاجتماعية وكل سبل الراحة، وبالتالي ستحقق أهدافهم ورغباتهم وطموحاتهم المستقبلية. ودعت إلى التعامل معهم دون أن نشعرهم بأي نقص، وهو ما يمنحهم الثقة والأمن اللازمين ليستمروا بالعيش ويواجهوا تحديات الحياة، قائلة: "من ناحيتي لا مانع لديّ بأن أربي طفلاً مجهول النسب إلى جانب أطفالي لأعوضه الحب والحنان الذي فقده".

قصص إنسانية يخلدها الإماراتيون وتخلدهم     

روى محمد الجمري، وهو يحتضن طفلاً مجهول الأبوين منذ عام 2008، قصة عثوره الطفل، قائلاً إن زوجته عثرت على طفل رضيع ملقى بالقرب من منزلهما، حيث أصيب كلاهما بصدمة، كونهما لم يتوقعا أن يكون ما يشاهدانه في الأفلام والمسلسلات يحدث حقيقة في الواقع.

وأضاف أن زوجته أصرت على الاحتفاظ بالطفل، وكانت رافضة بشكل قاطع تسليمه للجهات المسؤولة، خشية حرمانها منه، خصوصاً أنهما لم يرزقا بأبناء، وكان هو وزوجته دائمي الدعاء بأن يمن الله سبحانه وتعالى عليهما بالذرية. وتابع: اعتبرنا العثور على الطفل هدية من الله عز وجل، وقدمنا الرعاية والاهتمام له، كما لو كان ابناً من صلبي، لكن ما كان يؤرق حياتنا هو عدم حصول الطفل على الأوراق الثبوتية.

ولفت محمد إلى أنه سمع عن طريق الإذاعة ببرنامج "احتضان" التابع لهيئة تنمية المجتمع في دبي، وعمل على إقناع زوجته بأهمية تسليم الطفل للهيئة، للحصول على وثائق رسمية له، تمكنه من الحصول على التعليم والصحة وغيرها من الخدمات. وأوضح أنه وجد تعاوناً وتجاوباً من هيئة تنمية المجتمع في دبي، مشيراً إلى أن "الهيئة" اتخذت إجراءات فور إبلاغها بوجود الطفل، حيث تم تصوير الطفل وأخذ بيانات الوالدين، وقيام لجنة من "الهيئة" بزيارة مسكن العائلة، للتأكد من مدى ملاءمة المكان للعيش.

ولا تزال العبر والعبرات مستمرة

روت أم راشد قصة قريبتها المطلقة البالغة من العمر 58 عاماً، التي تربي طفلتين مجهولتي النسب، إحداهما في الرابعة عشرة من عمرها، والأخرى في الثامنة، وهما بحالة صحية واجتماعية ممتازة.

ولفتت إلى أن الطفلة الكبرى تدرس الآن بمدرسة محو الأمية، لتأخر أمها بالتبني في إبلاغ الجهات المسؤولة عنها خوفاً من أخذها، ولكن بعد إبلاغها للجهة المسؤولة تم عمل أوراق ثبوتية للطفلة ومتابعتها بشكل مستمر وقيام لجنة بزيارة المنزل لرؤية الحالة المعيشية لها، وهو ما شجعها على تبي طفلة أخرى بإجراءات رسمية وسليمة.

علم الاجتماع ومجهولو النسب

حدد الدكتور محمد أبو العينين أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات عاملين لوجود مشكلة الأطفال مجهولي النسب في أي مجتمع وهما الإنجاب عن طريق علاقات غير شرعية، أو تخلي أفراد متزوجين شرعاً عن أبنائهم.

ولفت إلى أن أعمار الآباء والأمهات الذين يتخلون عن أبنائهم تتفاوت بين المراهقين وكبار السن، لكنها تتركز في المراهقين الذين تورطوا في علاقات غير شرعية نتج عنها طفل، أو ضاقت بهم سبل الحياة فلم يجدوا حلاً سوى التخلي عن فلذة أكبادهم. وتوقع أبو العينين أن تسود هذه المشكلة بين الفقراء ومحدودي الدخل في بعض المجتمعات ممن لا يتورعون عن القيام بهذا العمل غير القانوني والذي يستهجنه المجتمع.

خطورة ازدياد الظاهرة على المجتمع

أما تأثير ازدياد مجهولي النسب على المجتمع، فأوضح أبو العينين أنه إذا زاد عدد هؤلاء الأطفال فسيشكلون عبئاً على الأجهزة الأمنية ومؤسسات الرعاية، وسيجد المجتمع نفسه مطالباً باحتوائهم والعمل على تهيئتهم نفسياً واجتماعياً وتنشئتهم حتى يشبوا أفراداً صالحين. فالمجتمع في هذه الحالة مطالب بالقيام بدور الأب والأم في توجيه هذه الفئة من الأطفال الذين سرعان ما ينتقلوا إلى مرحلة المراهقة والشباب التي تحتاج إلى متابعة مستمرة.

الدستور الإماراتي يحمي مجهولي النسب

نصت المادة (16) من الدستور على أن "يشمل المجتمع برعايته الطفولة والأمومة ويحمي القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين عن رعاية أنفسهم لسبب من الأسباب كالمرض أو العجز أو الشيخوخة أو البطالة الإجبارية، ويتولى مساعدتهم وتأهيلهم لصالحهم وصالح المجتمع".

وأقرت بنود القانون رقم (1) لسنة 2012 بشأن رعاية الأطفال مجهولي النسب الصادر أحكام رعاية الأطفال مجهولي النسب، بتنظيم دور الرعاية في الدولة وتطويرها، وكفالة حقوق الأطفال مجهولي النسب وحرياتهم المدنية، وحماية حياتهم الخاصة وحقهم في الأمن والأمان والحفاظ على مصالحهم الفضلى.

المواجهة لا التنظيم

لم تدخر الدولة ولا المجتمع الإماراتي جهدا في معالجة هذه الظاهرة من جميع الجوانب، ولا سيما الجانب الإنساني. ولكن جميع هذه الجهود تهدف إلى علاج الظاهرة بعد وقوعها، ولا تتعامل بطريقة وقائية قبل حدوثها. فمواجهة هذه الظاهرة - رغم صعوبة ذلك- يجب أن يكون المستوى الثاني من مستويات التعامل معها بعد المواجهة العلاجية، وذلك بأن تضمن توفير الحماية الكاملة للأم التي تلقي برضيعها، على سبيل المثال، من المجتمع، وأن يتم تحديد طرق وإجراءات الاعتراف بها وبوليدها، حتى يتم إثبات نسب والده، بالاستناد إلى التقنيات الحديثة في هذا الجانب، وهي متوفرة وقاطعة، وإلزام الأب بأن يتحمل مسؤولياته.

عدد المشاهدات: 1661
تاريخ الخبر: 30-11--0001

مواضيع ذات صلة