قالت صحيفة التلغراف البريطانية إن التحالف الذي جمع السعودية والإمارات لسنوات، بوصفهما أبرز حلفاء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في الخليج، يشهد تصدعًا غير مسبوق، وصل إلى ما وصفته بـ "الطلاق العلني"، على خلفية الصراع في اليمن، محذّرة من أن هذا الانقسام يعرّض مستقبل المنطقة لمخاطر جسيمة.
وأوضحت الصحيفة أن ما بدا في البداية استيلاءً محليًا على السلطة في جنوب اليمن، سرعان ما تكشّف عن صراع أعمق بين القوتين الخليجيتين، حيث تحوّل التقدم السريع الذي أحرزته الجماعات المدعومة من الإمارات إلى "هزيمة مُذلّة" بعد تدخل عسكري سعودي حاسم أجبر القوات الانفصالية على التراجع بنفس السرعة التي تقدمت بها، الأمر الذي أدخل العلاقات السعودية ـ الإماراتية في أزمة مفتوحة.
وبحسب التلغراف، أثارت هذه التطورات قلق الإدارة الأميركية، إذ أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتصالات هاتفية مع الطرفين، كما عقد محادثات عاجلة مع وزير الخارجية السعودي في واشنطن خلال الأسبوع نفسه، في محاولة لاحتواء التدهور المتسارع.
تحالف ظاهري وصراع مكتوم
وذكّرت الصحيفة بأن السعودية والإمارات بدتا، لسنوات، في صف واحد في اليمن، حيث عكس تدخلهما المشترك العلاقة المتنامية بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، الذي لعب في البداية دور "المرشد" لولي العهد السعودي، وساعده في تعزيز موقعه في واشنطن والترويج لرؤية أكثر حداثة للإسلام.
وأضافت أن الطرفين عملا معًا على عزل قطر، ومواجهة إيران، وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية مشتركة وُصفت بأنها "حديثة ولكنها استبدادية". غير أن الصحيفة تؤكد أن هذه الروح الودية أخفت خلفها توترات متصاعدة، تحوّل معها التعاون تدريجيًا إلى منافسة مباشرة.
وأشارت إلى أن السعودية بدأت تضغط على الشركات العالمية لنقل مقراتها الإقليمية من دبي إلى الرياض، في إطار سعيها للتحول إلى مركز أعمال عالمي، ما أثار استياءً إماراتيًا، في وقت تزايد فيه غضب الرياض من السياسة الخارجية الإماراتية التي اعتبرتها أحادية، خصوصًا في ملفات إعادة العلاقات مع النظام السوري، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتحالف مع روسيا في قضايا الطاقة.
اليمن… ساحة الصدام المباشر
وأوضحت التلغراف أن التحالف المناهض للحوثيين المدعومين من إيران انقلب على نفسه، إذ بدأت الرياض وأبوظبي بدعم فصائل متنافسة وجّهت سلاحها لبعضها البعض بدلًا من مواجهة الحوثيين الذين لا يزالون يسيطرون على صنعاء ومعظم شمال اليمن.
وبحسب الصحيفة، بلغت الأزمة ذروتها عندما قصفت السعودية ميناء المكلا في حضرموت، مدمّرة ما قالت إنه شحنة أسلحة كانت الإمارات تنقلها إلى الانفصاليين، في خطوة عكست قلق الرياض من ما اعتبرته محاولة إماراتية لانتزاع نفوذها في دولة تعدّها ضمن مجالها الحيوي.
وأضافت أن السعودية طالبت ـ وحصلت ـ على التزام إماراتي بسحب قواتها من اليمن، لكنها فشلت حتى الآن في إجبار أبوظبي على وقف دعمها لشبكة الميليشيات المحلية التابعة لها.
وفي ما وصفته الصحيفة بـ "الانتكاسة المهينة" للطموحات الإماراتية، تمكنت الطائرات السعودية من سحق القوات الانفصالية بسرعة، رغم أنها كانت قبل أسابيع قليلة تعلن ثقتها بإمكانية إجراء استفتاء على انفصال جنوب اليمن خلال عامين.
أزمة قيادة وتدهور غير مسبوق
وسعيًا لتوحيد الصف المناهض للحوثيين، استدعت السعودية قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض، غير أن آمال التوصل إلى تسوية سريعة تلاشت، بعد اتهام الرياض للإمارات بتهريب عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس، خارج البلاد ومنحه ملاذًا آمنًا في أبوظبي.
وذكرت الصحيفة أن مسؤولين سعوديين كانوا يطالبون بمحاكمة الزبيدي بتهمة الخيانة العظمى، والسعي إلى تفكيك حركته، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها.
ونقلت التلغراف عن المحلل محمد الباشا، المقيم في الولايات المتحدة، قوله: "إنه طلاق علني للغاية. تم تقديم أوراق المحكمة، وعرضت أدلة فيديو وصوتية. لقد أصبح الأمر قبيحًا للغاية".
تداعيات إقليمية خطيرة
وحذرت الصحيفة من أن هذا الانقسام، إلى جانب الخلافات القائمة بين البلدين في الحرب الأهلية السودانية، يهدد بزعزعة استقرار الشرق الأوسط، وإرباك أسواق النفط، وإثارة قلق المستثمرين الأجانب، فضلًا عن تداعياته داخل اليمن، حيث قد يستفيد تنظيم القاعدة من تجدد الفوضى.
وأشارت إلى أن القوات الإماراتية الخاصة، التي انسحبت مؤخرًا تحت ضغط سعودي، كانت قد قادت سابقًا جهود مكافحة التنظيم بالتعاون مع بريطانيا والولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن الباحث في مركز تشاتام هاوس، فاريا المسلمي، قوله إن الإمارات دفعت رواتب ما لا يقل عن 100 ألف مقاتل في اليمن، وقامت بتدريبهم وتسليحهم، ولا تزال تحتفظ بنفوذ واسع يتجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي، معتبرًا أن شنّ حرب بالوكالة يبقى خيارًا "سهلًا وغير مكلف" بالنسبة لها، لكنه كارثي على اليمنيين.
وختمت التلغراف تقريرها بالتحذير من أن آثار هذا الصدام لن تقتصر على اليمن، بل قد تمتد إلى ساحات أخرى مثل ليبيا وسوريا ولبنان وفلسطين، إضافة إلى البحر والتجارة الدولية وملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب، مؤكدة أن ما كان يُعدّ أهم علاقة ثنائية في الشرق الأوسط بات اليوم في وضع "يرثى له"، مع تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة بأكملها.