منذ دخولها إلى الأراضي اليمنية، ارتبط الوجود الإماراتي بسلسلة واسعة من الانتهاكات الجسيمة في عدد من المحافظات، تمثلت في إنشاء ودعم تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، والسيطرة على منشآت سيادية وتحويلها إلى مرافق عسكرية وأمنية مغلقة، بعيدة عن أي رقابة قانونية أو قضائية، بحسب تقارير صحفية وحقوقية.

ومطار الريان الدولي بمدينة المكلا، في محافظة حضرموت شرقي اليمن، أحد أبرز الشواهد على هذا النهج؛ إذ اتهمت الحكومة اليمنية أبوظبي بتعطيله أمام حركة الطيران المدني لسنوات، وتحويله إلى ثكنة عسكرية ومركز احتجاز سري. وتؤكد شهادات معتقلين سابقين أنه شهد ممارسات ممنهجة من التعذيب الجسدي والنفسي، والإخفاء القسري، والاحتجاز في زنازين تحت الأرض، في انتهاك صارخ للقوانين اليمنية والدولية.

ويروي علي حسن باقطيان، وهو ناشط مدني يمني ومدير مؤسسة تنموية في المكلا، أنه قضى أكثر من مئة يوم في الاعتقال، ضمن سلسلة توقيفات أعقبت تفجيرات شهدتها المدينة في شهر رمضان عام 2016.

وأوضح في تصريحات نقلتها صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، أن تلك الاعتقالات طالت موظفين في مؤسسته دون أي أوامر رسمية، حيث جرى اقتحام منازلهم مباشرة من قبل أطقم عسكرية.

وبحسب روايته، فإن بداية احتجازه كانت في مقر تابع للاستخبارات، حيث تعرض فور وصوله لتعصيب العينين وتقييد اليدين، قبل أن يُوضع في حجز ضيق يضم عددًا من المحتجزين وسط أجواء شديدة الحرارة.

ورغم عدم ثبوت أي تهم خلال التحقيقات الأولية، أُبلغ لاحقًا بأن احتجازه جاء بطلب مباشر من محققين إماراتيين.

وفي أواخر رمضان من العام نفسه، جرى نقله مع آخرين إلى معتقل داخل مطار الريان، حيث واجهه ضابط إماراتي بعرض يقضي بالإفراج عنه مقابل الإدلاء باعترافات ضد شخصيات مختلفة، تنتمي إلى تيارات سياسية ودينية متباينة، وهو ما رفضه، ليبقى رهن الاحتجاز لأشهر إضافية.

ويصف باقطيان معتقل الريان بأنه عبارة عن حاويات معدنية موضوعة على مدرج المطار، غير مهيأة للاحتجاز، تتحول إلى أماكن خانقة نهارًا وشديدة البرودة ليلًا.

وأضاف أن المعتقلين كانوا يجبرون على النوم متلاصقين على الأرض، مع إبقاء الإضاءة مشتعلة على مدار الساعة، وتعصيب الأعين حتى داخل أماكن الاحتجاز.

وأشار إلى أن الجنود كانوا يستخدمون أسماء مستعارة لإخفاء هوياتهم، وأن التحقيقات كانت تتسم بالتناقض، حيث وُجهت له اتهامات متضاربة في آن واحد، شملت الانتماء لتنظيمات متعارضة سياسيًا وأيديولوجيًا.

كما تحدث عن تعرضه لإهانات متكررة، وضرب، وممارسات مهينة بحق المحتجزين، إضافة إلى أساليب ضغط نفسي قاسية.

وأكد المعتقل السابق أن الانتهاكات لم تقتصر عليه، بل طالت كبار السن وأحداثًا في سن مبكرة، جرى احتجازهم في الظروف ذاتها، مشيرًا إلى أن الخوف كان أداة أساسية لإدارة السجن، من خلال شخصيات معروفة بين السجناء بدورها المباشر في التعذيب.

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر، أُفرج عنه فجراً وأُعيد إلى منزله، غير أن الإفراج – بحسب قوله – ترافق مع محاولات ابتزاز وعرض للعمل لصالح الجهات المشرفة على السجن، وهو ما رفضه، ليتم توقيفه مرة أخرى لاحقًا.

كما كشف باقطيان أن المحققين كانوا يضغطون على المعتقلين لتقديم أي معلومات يمكن ربطها بالسعودية، حتى في غياب أدلة، وهو ما أكده عدد من المحتجزين الآخرين الذين شاركوه فترة الاعتقال.

وختم شهادته بالتساؤل عن جدوى ما سُمي بمكافحة الإرهاب، متسائلًا عن أسباب الإفراج عن أشخاص متورطين فعليًا في أعمال عنف، مقابل اعتقال وتعذيب ناشطين مدنيين. وأكد أن خروجه من السجن لا يعني تحقق العدالة، معتبرًا أن الإنصاف الحقيقي يبدأ بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن تحويل مطار مدني إلى مركز احتجاز سري.

من جهته، شدد وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني معمر الإرياني على أن هذه السجون لا تتبع أي منظومة قانونية أو أمنية رسمية، وتعمل خارج سلطة الدولة والدستور اليمني.

وأكد أن إنشاء مراكز احتجاز خارج مؤسسات الدولة يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون اليمني وللقانون الدولي الإنساني، لافتًا إلى أن الدولة لم تفوض أي جهة محلية أو خارجية بممارسة الاعتقال أو التحقيق خارج الإطار القانوني.