شهدت العلاقات الإماراتية السعودية بين عامي 2015 و2025 تحولاً دراماتيكياً عميقاً، انتقلت خلاله من مرحلة وُصفت بـ"العصر الذهبي" للتحالف الاستراتيجي والانسجام الشخصي بين القيادتين، إلى حالة من التنافس الجيواقتصادي والأمني المحتدم.

هذا التحول، الذي بلغ ذروته في مواجهة سياسية وعسكرية مباشرة أواخر عام 2025 بقصف ميناء المكلا في اليمن. لم يكن حدثاً عارضاً أو نتاج سوء تقدير ظرفي، بل نتيجة حتمية لتصادم المصالح الجوهرية بين دولتين صاعدتين تسعيان، كلٌ بطريقتها، إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في الإقليم، وبذلك تحولت الرياض وأبوظبي إلى نموذج "الأعداء–الأصدقاء"، حيث يتقاطع التعاون في بعض الملفات، بينما يشتد الصراع في ملفات أخرى تمتد من أسواق الطاقة إلى خرائط النفوذ العسكري والسياسي.

منذ عام 2011، شهدت السياسة الخارجية الإماراتية تحولات متسارعة، لكنها بعد 2015 اتخذت منحى أكثر تدخلاً واندفاعاً، وسط انتقادات إقليمية ودولية واتهامات بالتدخل العسكري ودعم تغييرات سياسية في عدة دول عربية. ومع الوقت، تجاوزت تداعيات هذه السياسة نطاق الخصوم التقليديين لتطال الحلفاء أيضاً، وفي مقدمتهم السعودية؛ فقد اصطدمت طموحات أبوظبي في بناء نفوذ بحري وتجاري عابر للأقاليم مع الرؤية الأمنية السعودية القائمة على حماية الحدود البرية وترسيخ الثقل الجغرافي. هذا التباين أنهى فعلياً مرحلة السياسة الخارجية الموحدة، ودفع العلاقات الثنائية إلى مسار جديد قوامه الاحتواء المتبادل والتنافس المتدرج ثم المفتوح.

التحالف التأسيسي وأزمة قطر

مثّلت وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز بداية 2015 وصعود الملك سلمان محطة فاصلة في السياسة الخليجية، تزامنت مع بروز سريع للأمير محمد بن سلمان كلاعب محوري في القرار السعودي. في المقابل، كان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يدفع منذ سنوات نحو سياسة خارجية أكثر تشدداً، خصوصاً بعد الربيع العربي. خلال هذه المرحلة، وُصفت العلاقة بين الطرفين بعلاقة "مرشد وتلميذ"، إذ أسهم محمد بن زايد، حين كان ولياً لعهد أبوظبي، في تسويق الأمير السعودي الشاب لدى العواصم الغربية بوصفه شريكاً إصلاحياً موثوقاً.

استند هذا التقارب إلى رؤية مشتركة للتهديدات، في مقدمتها النفوذ الإيراني وصعود الإسلام السياسي، خاصة جماعة الإخوان المسلمين. ورأت أبوظبي في هذا التحالف فرصة لتوسيع نموذجها في الحوكمة ذات الطابع السلطوي العلماني داخل السعودية، بما يحدّ من المخاطر الداخلية والإقليمية. بلغ هذا الانسجام ذروته في حصار قطر عام 2017، في مسعى لفرض هيمنة ثنائية داخل مجلس التعاون الخليجي، قبل أن يتراجع مع توقيع "اتفاق العلا" عام 2021، الذي قوبل بفتور إماراتي.

بحلول 2018، بدا أن مجلس التنسيق السعودي–الإماراتي حل فعلياً محل مجلس التعاون، غير أن تباينات اقتصادية واستراتيجية عميقة بدأت بالظهور. واليوم، يحذّر السفير الأمريكي السابق مايكل راتني من أن هذا التوتر أخطر وأكثر تعقيداً من أزمة قطر، وقد يتطلب وقتاً أطول لتجاوزه بسبب تشابك أبعاده السياسية والاقتصادية والشخصية.

ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر في قمة العلا - 2021

كيف تضاربت المصالح في اليمن؟

مثّلت عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015 ذروة التنسيق العسكري بين أبوظبي والرياض، إذ اعتمد التحالف على القدرات البرية الإماراتية مقابل تركيز سعودي على القوة الجوية وحماية الحدود. تولّت أبوظبي إدارة الجنوب والسواحل، ونجحت في طرد تنظيم القاعدة من المكلا، لكنها شرعت مبكراً في بناء تشكيلات أمنية موازية، مثل الحزام الأمني وقوات النخبة، ما أوجد شبكة نفوذ خارج سلطة الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض.

وفي عام 2019، أعلنت الإمارات انسحاباً عسكرياً واسعاً، فُسّر سعودياً على أنه تخلٍّ مفاجئ حمّلها عبء الحرب وحدها. غير أن الانسحاب أبقى وراءه بنية مسلحة تمثلت في المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تحدّى شرعية الحكومة بدعم غير مباشر، مع استمرار وجود قواعد إماراتية. وهكذا تحوّل اليمن إلى ساحة صراع مركّب بين مشروع إماراتي لبناء نفوذ بحري من باب المندب إلى سقطرى، ومسعى سعودي للحفاظ على يمن موحد ومستقر يحمي حدوده الجنوبية.

بلغ التوتر ذروته في 30 ديسمبر 2025، عندما قصفت طائرات سعودية شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا، ووصفت تصرفات أبوظبي بأنها "تهديد للأمن القومي"، وهي لغة لم يسبق للرياض استخدامها تجاه دولة خليجية. ورغم إعلان الإمارات سحب وحداتها المتبقية لاحقاً، مثّل هذا الحدث نهاية فعلية لوهم السياسة الخارجية الموحدة وبداية مرحلة المواجهة العلنية.

التنافس الجيواقتصادي ومعركة الريادة الإقليمية

إلى جانب الجغرافيا السياسية، برز الاقتصاد بوصفه المصدر الأكثر استدامة للتوتر، مع تحوّل رؤيتي السعودية 2030 والإمارات 2031 إلى مشروعين متنافسين في معادلة شبه صفرية. وظهر  أول انفجار علني لهذا التنافس في اجتماع أوبك+ عام 2021، حين عارضت أبوظبي الخطة السعودية لتمديد خفض الإنتاج، قبل تسوية منحتها خط أساس أعلى، في إشارة إلى تغليب المصلحة الاقتصادية الوطنية على الاعتبارات السياسية المشتركة.

كما شكّل مشروع السعودية لفرض نقل المقرات الإقليمية ضربة مباشرة لمكانة دبي الإقليمية والعالمية، حيث استجابت مئات الشركات بحلول 2024، ما أوجد فتوراً اقتصادياً ملموساً. وامتد التنافس إلى الطيران والسياحة عبر إطلاق "طيران الرياض" ومشاريع البحر الأحمر والعلا لمضاهاة الجاذبية الإماراتية.

سياسياً، تباين الموقفان في ملف التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إذ اندفعت أبوظبي نحوه لترسيخ نفسها كشريك متقدم لواشنطن، بينما التزمت الرياض الحذر، لا سيما بعد الحرب على قطاع غزة. كما ظهر التنافس في إفريقيا والملف الإيراني، بين انخراط إماراتي براغماتي ومسار سعودي مختلف انتهى مع طهران باتفاق 2023 بوساطة صينية.

صراع تمثيل الإسلام المعتدل

امتد التنافس السعودي-الإماراتي إلى مجال "القوة الناعمة"، حيث توظف الرياض ثقلها الديني عبر رابطة العالم الإسلامي، بينما تروّج أبوظبي لنموذجها من خلال منتدى تعزيز السلم، مقدِّمةً إياه للغرب بديلاً عن الإسلام السياسي. وفي هذا السياق، تنظر الإمارات بقلق إلى وتيرة لعلمنة السعودية السريعة باعتبارها مخاطرة قد تربك التوازن الديني الإقليمي، في حين ترى الرياض في المبادرات "الإبراهيمية" مساساً غير مباشر بشرعيتها الدينية ومكانتها الرمزية في العالم الإسلامي.

لم تعد الخلافات بين البلدين مجرد تباينات ظرفية أو سوء تنسيق مؤقت، بل تحولت إلى تعبير عن صراع بنيوي بين مشروعين إقليميين متمايزين. فالسعودية، بثقلها الجغرافي والديموغرافي والديني، ترى نفسها القوة القارية الطبيعية في شبه الجزيرة العربية، وصاحبة الدور القيادي في ضبط إيقاع الأمن والسياسة الإقليميين. في المقابل، تقدم الإمارات نفسها كقوة بحرية مرنة، تعتمد على التجارة والموانئ ورؤوس الأموال والتحالفات العابرة للحدود، وتسعى إلى تعظيم استقلال قرارها عن أي مركز ثقل إقليمي، حتى وإن كان حليفاً تاريخياً.

وأظهر العقد الماضي أن التحالف بين الرياض وأبوظبي لم يكن قائماً على رؤية استراتيجية طويلة الأمد، بقدر ما كان تقاطع مصالح فرضته ظروف إقليمية مضطربة. ومع تراجع التهديدات المشتركة، وصعود تحديات جديدة مرتبطة بإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وتنافس المراكز المالية والسياحية، برزت التناقضات الكامنة إلى العلن، ولم يعد ممكناً احتواؤها عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.

ويعكس قصف شحنة الأسلحة في ميناء المكلا انتقال العلاقة إلى مرحلة شديدة الحساسية، أقرب إلى منطق الردع بين حليفين سابقين، بعدما كُسر أحد أهم المحرمات الخليجية باستخدام القوة. وفي ظل استمرار صراعات الوكالة وتضارب الأجندات، يتزايد خطر الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. وهكذا، لم تعد الخلافات الثنائية شأناً محصوراً، بل تحولت إلى عامل عدم استقرار إقليمي قد يعيد خلط الأوراق في ملفات اليمن والقرن الإفريقي وأمن الملاحة الدولية، ويجعل مستقبل العلاقة اختباراً حقيقياً لأمن الخليج ككل.