قالت مجلة "ذا دبلومات" الأمريكية، إن العلاقات بين الإمارات وباكستان تشهد تباعداً متزايداً، تكشفه التحولات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط، لكنها في الواقع تعكس مساراً تراكمياً من الشكوك المتبادلة استمر لسنوات.

وتشير المجلة إلى أن التوتر الحالي لا يرتبط فقط بالأزمات الراهنة، بل بجذور أعمق تتعلق باختلاف الرؤى الاستراتيجية، وتباين الأولويات الإقليمية، وسوء تقدير متبادل لطبيعة الدعم والتوقعات السياسية بين البلدين.

رغم ذلك، ظلت العلاقة بين الطرفين قائمة على توازن هش: اعتماد اقتصادي متزايد من جانب باكستان، يقابله تراجع تدريجي في الثقة السياسية. فقد شكّلت الإمارات على مدى سنوات مصدراً مهماً للدعم المالي لإسلام آباد، سواء عبر الودائع في البنك المركزي أو تسهيلات النفط المؤجل، ما جعلها جزءاً أساسياً من بنية الاستقرار الاقتصادي الباكستاني، خصوصاً في ظل الأزمات المالية المتكررة.

هذا الاعتماد تعزز منذ 2018، مع سلسلة من الودائع المالية التي استمرت تجديداتها حتى 2025، قبل أن تبدأ أبوظبي في تغيير نهجها مطلع 2026، عبر تمديدات قصيرة الأجل ثم المطالبة باستعادة الأموال. وقد فُسرت هذه الخطوة في باكستان على أنها وسيلة ضغط سياسي، خاصة في ظل تباين مواقف البلدين من قضايا إقليمية حساسة.

اعتماد اقتصادي هش

المفارقة أن هذا الترابط المالي لم يترجم إلى تقارب سياسي، بل حدث العكس. فبينما رأت باكستان في الدعم الإماراتي شراكة براغماتية، نظرت إليه أبوظبي كأداة نفوذ ينبغي أن يقابلها انسجام سياسي. ومع غياب هذا الانسجام، بدأت فجوة التوقعات تتسع تدريجياً.

تجلّى ذلك بوضوح منذ رفض باكستان المشاركة في حرب اليمن عام 2015، وهو موقف أثار استياءً إماراتياً علنياً، واعتُبر مؤشراً مبكراً على محدودية التزام إسلام آباد بدعم شركائها الخليجيين سياسياً. ورغم نجاح جهود دبلوماسية لاحقة في احتواء الأزمة، فإن آثارها استمرت كامنة في بنية العلاقة.

لاحقاً، تعمق التباين مع اتجاه كل طرف نحو شركاء إقليميين مختلفين. فالإمارات عززت علاقاتها مع الهند، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ما أثار قلق باكستان التي ترى في نيودلهي خصمها الاستراتيجي الأول. في المقابل، رسخت إسلام آباد شراكتها مع السعودية، وهو ما اعتبرته أبوظبي تهميشاً لدورها، خاصة بعد توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين باكستان والرياض في 2025.

صراع الأولويات الإقليمية

بلغ هذا التباين ذروته خلال أزمة مايو 2025 بين الهند وباكستان، حين حاولت الإمارات دفع إسلام آباد نحو ضبط النفس، بينما أصرت الأخيرة على حقها في الرد العسكري. هذا الخلاف عزز الشكوك الباكستانية تجاه حياد أبوظبي، خاصة في ظل تقاربها المتنامي مع الهند.

كما زادت سياسات الإمارات الإقليمية من قلق باكستان، خصوصاً ما يتعلق بدعم قوى غير حكومية في مناطق نزاع مثل اليمن والسودان. فبالنسبة لدولة تواجه تحديات داخلية مع حركات تمرد، فإن هذا النمط يُنظر إليه كتهديد محتمل للاستقرار الإقليمي، حتى في غياب أدلة مباشرة على تأثيره داخل باكستان.

في المقابل، ترى الإمارات أن باكستان لم تعد شريكاً سياسياً موثوقاً، بسبب ميلها المتزايد نحو السعودية، وعدم توافق مواقفها مع الرؤية الإماراتية في قضايا مثل إيران. وقد ظهر هذا الخلاف بوضوح خلال التصعيد الإقليمي الأخير، حيث تبنت باكستان نهج الوساطة والدبلوماسية، بينما فضّلت الإمارات موقفاً أكثر حدة تجاه طهران.

هذا التباين انعكس أيضاً على مستوى التنسيق السياسي، إذ تراجع التواصل بين البلدين في لحظات إقليمية حساسة، مقابل تنسيق باكستان مع أطراف أخرى مثل السعودية والولايات المتحدة، ما زاد من شعور أبوظبي بالتهميش.

في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن تآكل التفاهم الاستراتيجي الذي كان يشكل أساس العلاقة بين البلدين. فالدعم المالي لم يعد كافياً لضمان التوافق السياسي، كما أن الدبلوماسية الشخصية، رغم أهميتها، لم تعد قادرة على سد فجوة المصالح المتباعدة.

ومع استمرار إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، يبدو أن العلاقة بين باكستان والإمارات تتجه نحو نمط أكثر براغماتية وأقل ثقة، حيث يحاول كل طرف إعادة تموضعه وفق أولوياته الأمنية والاستراتيجية. ورغم احتمال استمرار التعاون في مجالات محددة، فإن الاحتكاك سيبقى مرجحاً ما لم يُعاد بناء أرضية مشتركة تعالج جذور الخلاف، لا مظاهره فقط.