كشف أكاديمي وصحفي بريطاني عن تجربته الممتدة لأكثر من 12 عامًا مع الطلبة الإماراتيين الذكور الدارسين في الجامعات البريطانية، وذلك في توقيت يتزامن مع قرار أبوظبي تقييد المنح الدراسية في الجامعات البريطانية واستبعادها من قائمة الجامعات المؤهلة للتمويل الحكومي، مقابل إدراج جامعات من دول أخرى بينها "إسرائيل"، بدعوى المخاوف من التأثر بـ"الإسلام السياسي".
وقال الإعلامي البريطاني ديلي حسين إنه التقى وتحدث، على مدار أكثر من عقد، مع عشرات الطلبة الإماراتيين الذين درسوا في المملكة المتحدة، سواء في مدينة بيدفورد حيث يقيم، أو خلال دراسته الجامعية في جامعة إيست أنغليا بين عامي 2006 و2009، أو أثناء إلقائه محاضرات لصالح جمعيات الطلبة المسلمين (ISocs) في ما لا يقل عن 30 جامعة بريطانية خلال الفترة من 2015 إلى 2025، إضافة إلى لقاءات عابرة في النوادي الرياضية.
وذكر الكاتب البريطاني أن الغالبية العظمى من الطلبة الإماراتيين الذين التقاهم كانوا يدرسون هندسة الطيران أو تخصصات هندسية أخرى، وأن عددًا منهم أخبره بتلقيهم تعليمات مباشرة من حكومتهم بعدم مناقشة الإسلام أو السياسة داخل الحرم الجامعي، أو الانخراط في أي أنشطة دينية.
وأضاف أن المشاركة في تجمعات العيد، وموائد الإفطار، واللقاءات غير الرسمية مع مسلمين غير إماراتيين كانت موضع تثبيط شديد، مع السماح فقط بأداء صلاة الجمعة وصلاة العيد. كما أشار إلى وجود تشجيع ضمني على عدم إطالة اللحية مع تهذيب الشارب، وعدم المواظبة على أداء الصلوات الخمس في المساجد.
وأشار الكاتب البريطاني، بحسب الترجمة، إلى أن كثيرًا من الطلبة الإماراتيين كانوا يعيشون حالة دائمة من الارتياب، ويعتقدون أنهم خاضعون للمراقبة، وكانوا شديدي الشك على وجه الخصوص تجاه الطلبة الدوليين السعوديين والمصريين، ما دفع معظمهم إلى العزلة عن بقية المسلمين داخل الحرم الجامعي وخارجه.
وأضاف أن عددًا غير قليل من الطلبة كان منخرطًا في أنماط حياة ليلية، شملت السهر وشرب الكحول وتعاطي المخدرات، مؤكدًا أنه يعرف شخصيًا ثلاثة طلبة إماراتيين صرّحوا له سرًا باعتناقهم الإلحاد. كما أشار إلى أن بعضهم بدا وكأن الدراسة في الخارج كانت وسيلة للهروب أو لتأجيل أداء الخدمة العسكرية الوطنية الإلزامية في الإمارات.
وبيّن أن جميع الطلبة الإماراتيين الذين تعامل معهم كانوا يتقاضون مخصصات مالية سخية للغاية من الحكومة الإماراتية، تراوحت بين 4 آلاف و7 آلاف جنيه إسترليني شهريًا، وهو ما جعلهم، بحسب قوله، حريصين على تجنب أي سلوك قد يعرّض هذا الدعم للخطر.
ورغم ذلك، أكد الكاتب البريطاني أن أيًا من الطلبة الإماراتيين الذين التقاهم لم يكن متكبرًا أو فظًا أو غير محترم، وأن جميعهم – باستثناء ثلاثة – كانوا يعرّفون أنفسهم بفخر على أنهم مسلمون. غير أنه أشار إلى أنهم، بخلاف الطلبة الدوليين من السعودية ومصر وقطر وماليزيا وباكستان، لم يكونوا منخرطين حتى في الأنشطة الإسلامية غير السياسية، مثل تجمعات العيد أو موائد الإفطار التي تنظمها الجمعيات الإسلامية أو المساجد المحلية.
وأوضح أن ما أورده يمثل تجربة شخصية، لكنها مدعومة – بحسب قوله – بشهادات مرشدي جامعات دينيين، وأئمة، وأشخاص درسوا أو تدربوا مع طلبة إماراتيين، إضافة إلى أفراد من العائلة والأصدقاء الذين تعاملوا معهم في قطاعات مختلفة داخل المجتمع البريطاني، مثل سيارات الأجرة والمطاعم.
وخلص الكاتب البريطاني إلى أن ما تخشاه السلطات الإماراتية ليس "جماعة الإخوان المسلمين" بحد ذاتها، بل تفاعل الشباب الإماراتي مع مسلمين بريطانيين أو غربيين ممارسين للدين، ومتعلمين، وغالبًا ما يمتلكون معرفة أعمق بأساسيات الإسلام والقضايا العالمية للمسلمين مقارنةً بكثير من الشباب الإماراتي المُعلمن.
وأضاف أن الطلبة الإماراتيين الذين ناقشوا معه الدين والسياسة كانوا شديدي النقد ليس فقط لجماعة الإخوان المسلمين، بل أيضًا للسعودية والسلفية، في حين ظل الحديث عن إسرائيل وفلسطين "خطًا أحمر" لا يُسمح بتجاوزه. كما لفت إلى أن بعضهم تبنّى مظهرًا وسلوكًا مستوحى من ثقافة مغني الراب الأميركيين، وهو ما وصفه بالأمر اللافت.
وأشار الكاتب كذلك إلى وجود تصوّر متزايد بين مسلمين في أنحاء أوروبا والغرب بأن الإمارات تُنظر إليها بوصفها حليفًا وثيقًا لإسرائيل، تتبنى أجندة فكرية "إصلاحية دائمة"، وأن بعض الطلبة الإماراتيين قد يُشتبه في كونهم عناصر مرتبطة بأجهزة أمنية، أُرسلوا لاختراق المجتمعات الإسلامية الغربية وجمع معلومات عن الطلبة العرب والمسلمين، وهي ادعاءات لم يصدر بشأنها أي تعليق رسمي.
وأكد في ختام شهادته أن بريطانيا "لن تفقد نومها" بسبب تراجع أعداد الطلبة الإماراتيين، في ظل وجود أعداد كبيرة من طلبة دول مجلس التعاون الخليجي، واستمرار تدفق الأموال الخليجية إلى الجامعات البريطانية.
خلفية القرار الإماراتي
ويأتي تداول هذه الشهادة في وقت كانت فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قد قيّدت المنح الدراسية للطلبة الراغبين في الدراسة في الجامعات البريطانية، ضمن قائمة الجامعات المؤهلة للتمويل الحكومي التي نُشرت في يونيو الماضي، في إطار ما وصفته الوزارة بإصلاحات تهدف إلى حصر التمويل في أفضل المؤسسات الأكاديمية عالميًا.
وضمت القائمة جامعات من الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا وإسرائيل، فيما غابت عنها الجامعات البريطانية، رغم احتضانها عددًا من أعرق المؤسسات التعليمية في العالم.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا الاستبعاد لم يكن نتيجة "سهو"، بل جاء نتيجة مخاوف إماراتية من انتشار ما تصفه أبوظبي بـ"التطرف الإسلامي" داخل الحرم الجامعي البريطاني، ولا سيما الأفكار المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، عقب امتناع لندن عن تصنيف الجماعة منظمة محظورة.
ووفق تقرير لصحيفة |فايننشال تايمز"، خفضت أبوظبي منحها الدراسية لمواطنيها الراغبين في الدراسة في بريطانيا بزعم الخشية من تأثرهم بأفكار متشددة، في ظل توترات سياسية أوسع بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، شملت خلافات حول محاولة الإمارات الاستحواذ على صحيفة "ديلي تلغراف"، ودعمها المزعوم لقوات شبه عسكرية في السودان، إضافة إلى قضايا مرتبطة بنادي مانشستر سيتي الإنجليزي.
وتُظهر الأرقام تراجعًا ملحوظًا في أعداد الطلبة الإماراتيين في المملكة المتحدة، إذ أُبلغ في العام الدراسي 2023–2024 عن إحالة نحو 70 طالبًا محتملًا إلى برنامج "منع التطرف" الحكومي البريطاني، أي ما يقارب ضعف العدد في العام السابق.
كما حصل 213 طالبًا فقط على تأشيرات دراسية للعام 2024–2025، بانخفاض نسبته 27% مقارنة بالعام الذي سبقه، و55% مقارنة بالعام الدراسي 2022–2023.