كشفت وثيقة استخبارية أميركية رُفعت عنها السرية، صادرة عن وكالة المخابرات المركزية بتاريخ 24 فبراير 1971، أن واشنطن كانت على علم مسبق بنية إيران احتلال الجزر الإماراتية الثلاث قبل نحو عشرة أشهر من تنفيذ العملية في 30 نوفمبر من العام ذاته.
وتتناولت الوثيقة تقديراً استخبارياً حول النزاع القائم بين إيران وعدد من الدول العربية بشأن جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي تتمتع بأهمية استراتيجية بالغة لوقوعها عند مدخل مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً.
لقاء في طهران قبل الاحتلال
وبحسب نص التقرير، فإن اللقاء الذي جمع السفير الأميركي في طهران آنذاك، دوغلاس ماك آرثر الثاني، مع مسؤولين إيرانيين، تضمّن تصريحات واضحة من شاه إيران، محمد رضا بهلوي، ووزير خارجيته أردشير زاهدي، تؤكد عزم طهران “احتلال جزيرتي أبو موسى وطنب المتنازع عليهما بعد انسحاب البريطانيين في وقت لاحق من ذلك العام”.
وأقرّ زاهدي، وفق الوثيقة، بعدم وجود أي إمكانية لموافقة شيوخ الإمارات المتصالحة آنذاك علناً على المطالبة الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران تدرك أن الحسم قد يتم باستخدام القوة، في ظل تقدير بأن الاعتراضات الخليجية، لا سيما من السعودية والكويت، ستكون “محدودة ومعتدلة”.
كما استبعد وزير الخارجية الإيراني خيار إبقاء مسألة السيادة “غامضة”، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى “سوء تقدير من قبل العرب المتشددين” ويؤدي إلى صراع مستقبلي، في إشارة إلى إدراك مبكر لحساسية الملف وتداعياته الإقليمية.

السياق الإقليمي وانسحاب بريطانيا
تضع الوثيقة هذا التوجه الإيراني في سياق التحولات التي أعقبت إعلان المملكة المتحدة عام 1968 نيتها الانسحاب من شرق السويس، وما تبع ذلك من إعادة تشكيل للترتيبات الأمنية والسياسية في الخليج العربي قبيل قيام الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 1971.
ويرى التقرير أن طهران اعتبرت الفراغ الاستراتيجي الناتج عن الانسحاب البريطاني فرصة لإعادة رسم ميزان القوى في الخليج، خصوصاً في ظل الأهمية العسكرية والاقتصادية للجزر، سواء من حيث الإشراف على خطوط الملاحة أو احتمالات النفط البحري.
من الاحتلال إلى التصعيد الإقليمي
ويشير التقدير الاستخباري إلى أن احتلال الجزر الإماراتية الثلاث شكّل نقطة تحول مفصلية في العلاقات الإيرانية–العربية، وأصبح منذ ذلك الحين أحد أبرز ملفات التوتر في الخليج.
كما يربط التقرير بين هذا الملف وبين التصعيد اللاحق بين إيران والعراق، حيث سعى العراق، لا سيما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، إلى توظيف قضية الجزر ضمن صراعه الأوسع مع طهران.
ويسلط التقرير الضوء على البنية العسكرية التي أقامتها إيران على الجزر بعد السيطرة عليها، معتبراً أن الوجود العسكري لم يكن ذا بعد عملياتي فحسب، بل حمل أيضاً رسالة سياسية ونفسية تعزز حضور إيران في معادلة أمن الخليج.
دلالات الوثيقة
تكمن أهمية الوثيقة في إظهارها أن القرار الإيراني باحتلال الجزر لم يكن وليد لحظة انسحاب بريطانيا، بل جاء ضمن تصور استراتيجي مسبق، كانت واشنطن على اطلاع عليه قبل أشهر طويلة من تنفيذه.
كما تعكس الوثيقة إدراكاً مبكراً لحساسية الموقف العربي واحتمالات التصعيد، حتى وإن قدرت طهران آنذاك أن ردود الفعل ستكون محدودة.
وبينما بقي النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث قائماً حتى اليوم، تعيد هذه الوثيقة تسليط الضوء على الجذور التاريخية للملف، وعلى تداخل الحسابات الدولية والإقليمية وسط غياب أي دور لأبوظبي تجاه هذا الملف حتى اليوم.