تحت وطأة نيران العدوان الإيراني الذي طال منشآت حيوية ومطارات دولية في الإمارات والمنطقة، طرحت صحيفة "لوموند" الفرنسية تساؤلاً جوهرياً حول احتمالية انزلاق دول الخليج العربي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
وأكدت الصحيفة أن "الصدمة الأولى" التي سادت عواصم المنطقة عقب الضربات الإيرانية المكثفة قد تحولت إلى "غضب عارم" وتهديد صريح باتخاذ كافة الإجراءات للدفاع عن السيادة.
وقالت الصحيفة، حسب ترجمة "الإمارات 71"، إن استمرار العدوان الإيراني ضد أراضي دول مجلس التعاون تكشف فشل جهود التهدئة الأخيرة مع طهران وتبرز حدود المظلة الأمنية الأمريكية.
في العواصم الخليجية التي تحولت إلى أهداف لردود فعل انتقامية إيرانية واسعة النطاق منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية يوم السبت 28 فبراير، أفسدت الصدمة الأولى المجال أمام موجة عارمة من الغضب. وفي تنديد جماعي بما وصفوه بانتهاك سيادتهم الوطنية، أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع عبر "الفيديو كونفرانس" لوزراء خارجيتها مساء الأحد، أنها ستتخذ "كافة الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، بما في ذلك خيار الرد على العدوان".
لقد تجسد الآن السيناريو الذي طالما خشيت دول الخليج وقوعه، والمتمثل في الانجرار إلى أتون الحرب بين إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة. ففي مواجهة حرب تهدد وجودها ذاته بعد وفاة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، اختارت الجمهورية الإسلامية الإيرانية "تدويل" الصراع إقليمياً. ويواجه حكام الخليج الآن خياراً صعباً: إما الاستمرار في حوار مع إيران أثبت محدوديته، أو الانحياز بشكل وثيق إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهي خطوة قد تزيد من تعرضهم لهجمات انتقامية من جارهم الذي ينزلق نحو الفوضى.
بعد وقت قصير من الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأولى على أراضيها، نفذت طهران تهديداتها ضد حلفاء أمريكا العرب بمهاجمة دول الخليج. ومنذ يوم السبت، لم تستهدف الهجمات الإيرانية القواعد الأمريكية في السعودية والبحرين والإمارات والكويت وقطر فحسب، بل ضربت أيضاً المحرك الاقتصادي للخليج: الفنادق الفاخرة ومطار دبي الدولي، ومطار مدينة الكويت، والمباني السكنية في المنامة، وصولاً إلى استهداف مصفاة رأس تنورة في السعودية يوم الإثنين. لقد تحطمت فجأة صورة الخليج كواحة للسلام والازدهار في شرق أوسط مضطرب.
"تصعيد"
ساهم استنفار الدفاعات الجوية والإخلاء المسبق للقواعد الأمريكية التي تستضيفها دول الخليج في الحد من الخسائر البشرية والأضرار المادية الناجمة عن الضربات الإيرانية المكثفة. وأفادت الإمارات بأنها استُهدفت بـ 174 صاروخاً 689 طائرة مسيرة، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين؛ بينما تعرضت الكويت للقصف بـ 97 صاروخاً و283 مسيرة؛ واستُهدفت قطر بـ 65 صاروخاً و12 مسيرة؛ فيما أعلنت البحرين استهدافها بـ 61 صاروخاً و34 مسيرة. وحتى سلطنة عُمان، التي تلعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، لم تسلم من ذلك، حيث استهدف الهجوم يوم الأحد ميناء الدقم وناقلة نفط قبالة سواحله.
وقد صب الغضب الإيراني جام غضبه بشكل خاص على الإمارات والبحرين، اللتين وقعتا اتفاقيات تطبيع مع "إسرائيل" في عام 2020، والمعروفة باسم "اتفاقيات أبراهام". وأعلنت الإمارات يوم الأحد إغلاق سفارتها في طهران واستدعاء سفيرها. وكان المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة أنور قرقاش قد دعا القادة الإيرانيين في وقت سابق إلى تحكيم "العقل" في منشور على منصة "إكس"، قائلاً: "العدوان الإيراني على دول الخليج هو حسابات خاطئة تعزل إيران في لحظة حرجة. حربكم ليست ضد جيرانكم، وهذا التصعيد لا يؤكد إلا فكرة أن إيران هي المصدر الرئيسي للخطر في المنطقة وأن برنامجها الباليستي مصدر دائم لعدم الاستقرار".
ويبقى سيناريو المشاركة المباشرة لدول الخليج في الحرب ضد إيران، في هذه المرحلة، الاحتمال الأقل ترجيحاً. وفي هذا الصدد، قال بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت: "إذا استمرت الهجمات وسقط المزيد من القتلى، فمن المؤكد أن دول الخليج لن تشن هجمات مباشرة؛ فهي لا تريد أن يُنظر إليها كطرف في القتال بعد كل الجهود التي بُذلت لتقديم نفسها كاستثناء في الشرق الأوسط. لكنها قد تفتح مجالها الجوي للأمريكيين وتسمح لهم باستخدام قواعدهم ضد إيران مقابل الحماية". وكانت دول الخليج قد رفضت في وقت سابق السماح للولايات المتحدة باستخدام أجوائها لشن ضربات ضد إيران سعياً لمهادنة طهران.
لحظة الحقيقة
وعند سؤالها عن هذا الاحتمال عبر شبكة "سي إن إن" يوم الأحد، لم تستبعد ريم الهاشمي، وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، هذا الخيار، حيث أجابت: "إذا كان لا بد من الوصول إلى ذلك، فسيحدث، والكرة الآن في الملعب الإيراني حقاً". من جانبه، حذر علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، من مغبة مثل هذه الخطوة، وكتب الأحد عبر منصة "إكس": "نحن لا نسعى لمهاجمتكم، ولكن إذا استُخدمت القواعد الموجودة على أراضيكم ضدنا، فسنستهدفها. هذه القواعد ليست جزءاً من أراضي تلك الدول؛ بل هي فوق أراضٍ أمريكية".
من جهتها، كتبت ياسمين فاروق، مديرة قسم الخليج والجزيرة العربية في "مجموعة الأزمات الدولية"، عبر "إكس": "دول مجلس التعاون الخليجي تدعو الشركاء الأوروبيين للمساعدة في دفاعها، لكنها لا تنضم إلى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران". وأعلن قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، المجتمعون ضمن مجموعة "E3"، يوم الأحد استعدادهم لاتخاذ إجراءات للدفاع عن مصالحهم ومصالح حلفائهم في المنطقة، ربما من خلال منع الجمهورية الإسلامية من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
وبالتوازي مع ذلك، تتصاعد الدعوات للحوار وتهدئة التصعيد، في حين طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه فكرة إجراء محادثات مباشرة مع القادة الإيرانيين. وقال بدر البوسعيدي، وزير خارجية عُمان والشخصية المركزية في المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، يوم الأحد عبر "إكس": "باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً"، مشيراً إلى أن طهران أعربت عن انفتاحها على أي جهد جاد للتهدئة.
تبدو اللحظة الحالية بمثابة "لحظة الحقيقة" للممالك الخليجية؛ فقد كشفت الهجمات الانتقامية الإيرانية على أراضيها فشل الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لاسترضاء طهران عبر استعادة العلاقات الدبلوماسية، كما كشفت عن حدود المظلة الأمنية الأمريكية. ولم تنجح محاولاتهم لإقناع إدارة ترامب بعدم ضرب إيران ومنح الأولوية للدبلوماسية في حمايتهم من الرد الإيراني.
مخاوف
لقد تعرضت العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية لضرر دائم. وفي هذا السياق، كتب فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة "عرب نيوز" السعودية، في افتتاحية له: "لقد فقدت إيران للأسف أي تعاطف أو تضامن كان من الممكن أن تحظى به، وذلك بسبب ردها العشوائي على هجمات نهاية الأسبوع التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة. (...) من المؤسف أن تصل الأمور إلى هذا الحد، بعد أن آمنا جميعاً بأن المملكة وإيران يمكنهما العمل معاً لاستقرار المنطقة. كل الآمال معقودة على أن تعود إيران إلى رشدها وتفرق بين أصدقائها وخصومها".
ومع ذلك، تبدي عواصم شبه الجزيرة العربية حذراً مماثلاً تجاه رؤية الاستقرار الإقليمي التي تروج لها إدارة ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال استراتيجية تغيير النظام. فهي تخشى حدوث انهيار غير منضبط لإيران، مما قد يؤدي إلى تفتت الدولة، وسيادة الفوضى التي تحركها الميليشيات، وحركات اللجوء، وتسربات نووية أو إشعاعية، واضطرابات حادة في أسواق الطاقة. وأي من هذه التطورات قد يؤدي إلى زعزعة استقرار دول الخليج بشكل عميق.
وخلصت دانيا ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي في واشنطن، إلى القول: "إذا حدث تغيير جوهري في إيران، فإن الافتراضات الأمنية لدول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة سوف تنقلب رأساً على عقب. إنه سلاح ذو حدين؛ فالتهديد الذي يشكله النظام الإيراني واضح، ولكن ماذا سيحدث إذا سقطت إيران؟ ستصبح إسرائيل أقوى فاعل إقليمي، وهذا بحد ذاته خطر". فمنذ الحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي في غزة في أكتوبر 2023، وما أعقبها من توسع في لبنان وسوريا واليمن وإيران، أصبحت "إسرائيل" تظهر بشكل متزايد، في عيون الممالك الخليجية، كعامل لزعزعة الاستقرار في المنطقة.