توقّع تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن أن تتعامل دول الخليج العربية مع مذكرة التفاهم المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بمزيج من الارتياح والتوجس، في ظل ما قد تمثله من فرصة لاحتواء التصعيد العسكري من جهة، ومصدر قلق بشأن مستقبل النفوذ الإيراني من جهة أخرى.
ورأى معدّا التقرير، منى يعقوبيان وويل تودمان، أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، إذا ترافق مع وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً، سيسهم في رسم ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، ويدفع دول الخليج إلى تسريع تحركاتها لحماية مصالحها الاستراتيجية وضمان استدامة أي تفاهمات مستقبلية مع إيران.
وأشار الكاتبان إلى أن دول الخليج تنظر بارتياح إلى تجنب جولة جديدة من الحرب، خصوصاً بعد التداعيات التي خلفها النزاع الأخير على أمن المنطقة واقتصاداتها.
واستندا في ذلك إلى مشاهدات ميدانية خلال زيارة إلى قطر، حيث وصفا الأثر النفسي الذي تركته الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على السكان، رغم محدودية الخسائر البشرية.
وأضاف التقرير أن دول الخليج، وخصوصاً الدول الأصغر حجماً مثل قطر والكويت والبحرين والإمارات، عانت من تداعيات مباشرة للنزاع، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد، مشيراً إلى أن استهداف منشآت الطاقة وإغلاق مضيق هرمز شكلا تهديداً وجودياً لاقتصادات المنطقة المعتمدة بصورة كبيرة على صادرات الطاقة والتجارة البحرية.
ولفت الكاتبان إلى أن قطر كانت من بين أكثر الدول تضرراً، مشيرين إلى أن الضربات التي استهدفت منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال أدت إلى خسائر كبيرة في الإنتاج، ما انعكس على قطاع الطاقة العالمي نظراً للأهمية الاستراتيجية للمنشأة.
وبحسب التقرير، فإن دول الخليج كانت تخشى أن يؤدي أي تصعيد إضافي، بما في ذلك استهداف البنية التحتية المدنية أو النفطية داخل إيران، إلى ردود فعل إيرانية أوسع نطاقاً قد تهدد استقرار المنطقة بالكامل وتعرقل خطط التنويع الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية.
وأشار التقرير إلى أن السعودية والإمارات وقطر مارست ضغوطاً على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأزمة لتجنب تصعيد جديد مع إيران، والدفع نحو المسار الدبلوماسي بدلاً من الخيار العسكري.
وفي المقابل، رأى الكاتبان أن الارتياح الخليجي لا يخلو من القلق، إذ إن الاتفاق المحتمل، بحسب تقديرهما، قد يترك إيران محتفظة بجزء مهم من قدراتها العسكرية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يعني استمرار قدرتها على التأثير في أمن الملاحة بمضيق هرمز.
وأضاف التقرير أن دول الخليج، ولا سيما قطر والبحرين والكويت، تنظر بقلق إلى استمرار إمكانية إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، نظراً لاعتمادها الكبير عليه في حركة التجارة والصادرات والواردات.
ونقل الكاتبان عن مسؤول قطري قوله إن الوضع الجديد قد يجعل بعض دول المنطقة "رهينة" للقدرات الإيرانية في المضيق، مشيرين إلى أن إعادة فتح الممر الملاحي بصورة كاملة وآمنة تمثل أولوية رئيسية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي.
ورجّح التقرير أن تواصل الدول الخليجية سياسة الانخراط البراغماتي مع إيران، رغم استمرار أزمة الثقة، مع ربط أي حوافز اقتصادية مستقبلية بضمانات واضحة تتعلق بحرية الملاحة وعدم تكرار الهجمات.
وفي قراءتهما للمرحلة المقبلة، توقع الكاتبان أن تتبنى كل دولة خليجية استراتيجية خاصة بها وفقاً لأولوياتها الوطنية، مع وجود توجهات مشتركة تتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتوسيع التعاون الأمني الخليجي، وتنويع الشراكات الدولية.
وأشار التقرير إلى أن العديد من دول الخليج قد تتجه إلى إبرام اتفاقيات دفاعية جديدة مع شركاء أوروبيين وآسيويين، لافتاً إلى اتفاقية التعاون الدفاعي التي وقعتها الإمارات أخيراً مع فرنسا، ومذكرة التفاهم التي أبرمتها قطر مع كندا لتعزيز التعاون الأمني والدفاعي.
كما توقع الكاتبان أن تشهد المنطقة زيادة في الإنفاق الدفاعي والاستثمارات العسكرية، بالتوازي مع تعزيز قدرات الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
وأكد التقرير أن مستويات التنسيق الأمني والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي استمرت، بل تعمقت خلال الأزمة الأخيرة، رغم ما تردد عن خلافات بين بعض الدول الأعضاء، متوقعاً أن يتوسع هذا التعاون خلال السنوات المقبلة.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، رأى الكاتبان أن دول الخليج ستواصل السعي إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية مع واشنطن، مع العمل في الوقت نفسه على تنويع خياراتها الأمنية وتقليل الاعتماد على طرف واحد.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن دول الخليج تدرك أن إيران ستظل لاعباً رئيسياً في معادلة الأمن الإقليمي، ما يفرض البحث عن مقاربات جديدة لإدارة العلاقة معها.
واعتبر الكاتبان أن تعزيز التكامل الاقتصادي بين إيران ودول الخليج قد يشكل أحد الخيارات المطروحة للحد من التوترات المستقبلية، من خلال ربط الاستقرار الإقليمي بمصالح اقتصادية مشتركة.
ويحمل التقرير توقيع منى يعقوبيان، مديرة وكبيرة مستشاري برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وويل تودمان، رئيس أركان قسم الجغرافيا السياسية والسياسة الخارجية وزميل بارز في البرنامج ذاته.