قال موقع "دارك بوكس" الاستقصائي، اليوم الثلاثاء، إن التقارير المتداولة بشأن تأخر حركة الشحن على المنافذ الحدودية بين الإمارات والسعودية، إلى جانب اضطرابات طالت بعض التحويلات المالية من المملكة إلى الإمارات، لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يتمثل في تراجع مستوى التنسيق بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

ورغم عدم وجود تأكيد رسمي يربط هذه التطورات بقرارات سياسية، فإن الموقع يعتبرها مؤشراً على تصاعد التباين الاستراتيجي بين الرياض وأبوظبي، في ظل تنافس متزايد على النفوذ الاقتصادي والإقليمي.

ويشير الموقع، في تحليل له ترجمه "الإمارات71"، إلى أن العلاقات السعودية الإماراتية شهدت طوال معظم العقد الماضي مستوى عالياً من التنسيق في ملفات السياسة الخارجية والأمن والاقتصاد، إلا أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع بروز اختلافات في المصالح الوطنية، انعكست على عدد من القضايا الإقليمية والاقتصادية، لتتحول العلاقة من شراكة وثيقة إلى منافسة أكثر وضوحاً.

التجارة والثقة

بحسب الموقع، فإن ما أُبلغ عنه من تأخيرات في عبور الشاحنات بين البلدين يكتسب أهمية تتجاوز تأثيره المباشر على حركة البضائع، إذ يعد انسياب التجارة عبر الحدود أحد أبرز مؤشرات الثقة بين الاقتصادات المتجاورة.

ويؤكد أن فترات الانتظار الطويلة عند المعابر الحدودية، والتي امتدت في بعض الحالات لأيام، قد تفرض أعباء إضافية على الشركات التي تعتمد على سلاسل إمداد مترابطة داخل الخليج، من خلال زيادة تكاليف النقل، وتعطيل إدارة المخزون، وإضعاف القدرة على التخطيط التجاري، حتى لو كانت أسباب هذه التأخيرات تشغيلية أو إدارية.

كما يتناول الموقع ما وصفه باضطرابات في بعض التحويلات المالية من السعودية إلى حسابات مصرفية في الإمارات، موضحاً أن عدم صدور تفسير رسمي لهذه الحالات دفع الأوساط التجارية إلى التعامل معها بحذر.

ويرى أن الثقة المالية تشكل ركناً أساسياً في الاقتصاد الخليجي المتكامل، وأن مجرد ظهور تساؤلات حول انسيابية المدفوعات قد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، بصرف النظر عن الأسباب الحقيقية، إذ يصبح عامل عدم اليقين بحد ذاته مؤثراً في قرارات الاستثمار والأعمال.

تنافس إقليمي

ويعتبر "دارك بوكس" أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم تعد تقوم على التنسيق التلقائي كما كان الحال في السنوات الماضية، بل أصبحت تتسم بدرجة أكبر من المنافسة، مدفوعة بالطموحات الاقتصادية والسياسية لكل طرف.

فالسعودية، وفق الموقع، تعمل على تنفيذ برنامج تحول اقتصادي واسع يهدف إلى تحويل الرياض إلى مركز رئيسي للمقار الإقليمية للشركات العالمية، إضافة إلى تعزيز موقعها في قطاعات الخدمات اللوجستية والتعدين والصناعة والسياحة.

في المقابل، تواصل الإمارات الدفاع عن موقعها التقليدي باعتبارها مركزاً مالياً وتجارياً ولوجستياً بارزاً في المنطقة، وهو ما يجعل التنافس بين البلدين يمتد إلى استقطاب الاستثمارات والمقار الإقليمية وحركة التجارة.

ويرى الموقع أن هذا التنافس الاقتصادي بات يتداخل بصورة متزايدة مع ملفات السياسة الخارجية، حيث برزت اختلافات بين البلدين في عدد من القضايا الإقليمية، من بينها السودان واليمن والصومال والقرن الأفريقي، إضافة إلى تباين الرؤى بشأن سياسات الطاقة ومشروعات الربط والخدمات اللوجستية.

ويشير إلى أن كل ملف على حدة قد يبدو قابلاً للاحتواء، إلا أن تراكم هذه الخلافات يعكس، من وجهة نظره، تحولاً أوسع في طبيعة العلاقات الخليجية، ويؤدي إلى تراجع مستوى التنسيق الاستراتيجي الذي ميز العلاقة بين البلدين خلال السنوات الماضية.

كما يحذر "دارك بوكس" من أن استمرار حالة عدم اليقين السياسي قد ينعكس اقتصادياً بصورة غير مباشرة، إذ تميل الشركات إلى الاستثمار في بيئات مستقرة وقابلة للتنبؤ، بينما قد يدفع استمرار الضبابية بعض المستثمرين إلى تنويع سلاسل التوريد، أو تأجيل خطط التوسع، أو إعادة النظر في مواقع استثماراتهم، حتى في غياب أي عقوبات أو قيود رسمية.

ورغم ذلك، يؤكد أن الإمارات لا تزال تمتلك مقومات قوية، تشمل بنية تحتية متقدمة وقطاعاً مالياً راسخاً وبيئة أعمال جاذبة، لكنه يرى أن تصاعد الدور الاقتصادي السعودي يفرض على أبوظبي تحديات جديدة في المنافسة على الاستثمارات والأنشطة اللوجستية والشراكات الإقليمية.

ويخلص الموقع إلى أن أهمية التطورات الأخيرة لا تكمن في حوادث التأخير الحدودية أو الاضطرابات المصرفية بحد ذاتها، وإنما في كونها تعكس مساراً أوسع تتجه فيه السعودية والإمارات إلى تبني أجندات مستقلة في الملفات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.

ويشير إلى أن مستقبل العلاقة بين البلدين سيعتمد على الخيارات السياسية التي ستتخذها العاصمتان خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر استعادة مستويات أعلى من التعاون أو المضي نحو منافسة أكثر رسوخاً، في وقت تدخل فيه منطقة الخليج مرحلة جديدة تتشابك فيها اعتبارات النفوذ الاقتصادي مع التوازنات الجيوسياسية، بما ستكون له انعكاسات مباشرة على المستثمرين والشركات ومستقبل موازين القوى في المنطقة.