أثار حفل ترفيهي أُقيم في دبي تحت عنوان "تونس في سماء دبي" موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي في تونس وخارجها، بعدما تحوّل خلال ساعات من فعالية فنية ترويجية إلى قضية رأي عام، وسط اتهامات سياسية وإعلامية لأبوظبي بالتدخل في الشأن التونسي ومحاولات “تبييض الصورة” لشخصيات مثيرة للجدل.

الحفل، الذي نظّمه مغني الراب المثير للجدل المعروف باسم كادوريم، لم يمرّ باعتباره مجرد حدث ترفيهي أو نشاط فني في الخارج، بل فجّر نقاشًا حادًا حول خلفياته، وأهدافه، والجهات التي تقف وراءه، لا سيما مع تزامنه مع ذكرى الثورة التونسية، وما رافقه من استعراضات وصور رمزية اعتبرها منتقدون "مستفزّة" و"محمّلة برسائل سياسية".

تساؤلات برلمانية حول التمويل والدعوات

وفي هذا السياق، تساءلت فاطمة المسدي، النائبة بمجلس الشعب التونسي، عن الجهات التي تكفّلت بتمويل حضور عدد من المؤثّرات التونسيات إلى هذه التظاهرة التي نُظّمت في دبي، معتبرة أن ما حدث يتجاوز إطار الترفيه.

وقالت المسدي، في تدوينة نشرتها على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك، إن ما يثير الانتباه في هذه التظاهرة ليس فقط حجم الاستعراض والتنظيم، بل استدعاء عدد كبير من “الإنستغراموز” من تونس خصيصًا للترويج للحدث، وهو ما يطرح “تساؤلات مشروعة” حول خلفياته.

وتساءلت النائبة عمّن تحمّل مصاريف السفر والإقامة، وبأي صفة تمّ استدعاء هؤلاء المؤثّرات، وما إذا كان ذلك في إطار إشهار أو شراكات أو عقود، فضلًا عن مدى التصريح بهذه المداخيل طبقًا لقوانين الصرف والجباية المعمول بها في تونس.

كما طرحت المسدي تساؤلًا حول مدى علم المؤثّرات بالوضعية القضائية لمنظّم التظاهرة، مشيرة إلى أنه محلّ حكم قضائي بالسجن والحرمان من الحقوق السياسية، بحسب ما ورد في تدوينتها.

واعتبرت النائبة أن المسألة لا تتعلّق فقط بالمال أو الجوانب القانونية، بل بما وصفته بـ "تبييض الصورة"، أي تحويل شخص مدان في قضية تمسّ نزاهة الانتخابات إلى نموذج نجاح يُروَّج له عبر منصّات التواصل الاجتماعي، دون تقديم الصورة الكاملة للرأي العام.

وأكدت المسدي أن ما يحدث، في تقديرها، لا يندرج ضمن الفن أو حرية الإبداع أو الترفيه البريء، بل يمثّل خلطًا خطيرًا بين المال والنفوذ وصناعة الوعي، محذّرة من تداعيات ذلك على الشباب وعلى صورة الدولة التونسية.

وفي ختام منشورها، دعت إلى توضيح دور السفارات التونسية في دولة الإمارات، متسائلة عن مدى قيامها بواجبها في حماية صورة تونس، والدفاع عن احترام الأحكام القضائية والمؤسسات الوطنية.

اتهامات سياسية لأبوظبي ومحاولة “تصدير نموذج”

من جهتها، ذهبت الناشطة رانية الدريدي إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن ما جرى في دبي لا يمكن فصله عن الدور الإقليمي لدولة الإمارات في عدد من الدول العربية.

وتساءلت الدريدي في تدوينة مطوّلة: “ماذا تريد الإمارات من تونس؟ ولماذا تتدخل بشكل فجّ في شؤونها؟ وهل تسعى إلى تكرار تجاربها الدموية في السودان وليبيا داخل تونس؟”، على حدّ تعبيرها.

واتهمت الدريدي أبوظبي بالسعي، بعد ما وصفته بإجهاض التجربة الديمقراطية التونسية الناشئة، إلى الترويج لنموذج “قبيح” عبر دعم شخصيات مثيرة للجدل وتقديمها كرموز نجاح أو بدائل سياسية.

وقالت إن الحفل، الذي نُظّم في ذكرى الثورة التونسية، قُدّم على أنه ترويج لتونس، لكنه كان مبادرة من شخص “مطلوب للعدالة”، يسعى إلى تقديم نفسه كـ”رئيس تونس المستقبلي”.

وأضافت أن الحدث تضمن استعراضًا بالدرونز ظهرت فيه صورة كادوريم إلى جانب صورة الزعيم النقابي الراحل فرحات حشاد، مؤسس الاتحاد العام التونسي للشغل وأحد رموز النضال ضد الاستعمار، إضافة إلى عرض فيلم وثائقي عن “مسيرته النضالية”، تخلّلته مشاهد من اللحظات الأخيرة في حياة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، باعتباره صهره، وهو ما اعتبرته محاولة “رخيصة” لتلميع صورة بن علي وعائلته.

وخلصت الدريدي إلى أن ما يثير القلق، في نظرها، ليس مضمون الفيلم أو شخصية منظّم الحفل بقدر ما هو الهدف السياسي الأوسع، معتبرة أن الإمارات “لم تترك بلدًا عربيًا إلا وسعت إلى إدخال السمّ في نسيجه”، بحسب وصفها.

وبين التساؤلات البرلمانية والاتهامات السياسية، لا يزال الجدل متواصلًا حول حفل "تونس في سماء دبي"، في ظل غياب توضيحات رسمية من الجهة المنظمة أو من السلطات المعنية في أبوظبي، وكذلك من الجهات التونسية المعنية، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التأويلات والأسئلة حول خلفيات الحدث، وحدود التداخل بين الفن والسياسة والمال في الفضاء العربي.