حذّر الناشط الإماراتي حمد الشامسي من تداعيات ما وصفه بـ"الخيار الاستراتيجي الخطير" الذي تتجه إليه الإمارات، داعيًا حكام إمارات الدولة إلى وقف اتفاقية الدفاع المشترك مع الهند "قبل فوات الأوان"، في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتصاعد التوترات في الخليج.
وقال الشامسي، في منشور مطوّل نشره على منصة "إكس" وتابعه موقع "الامارات71"، إن الإمارات تبدو اليوم "أكثر عزلة إقليميًا وبخيارات محدودة"، معتبرًا أن هذا الوضع ليس وليد اللحظة، بل نتيجة مسار سياسي خاطئ جرى التحذير من تبعاته مرارًا.
وأشار إلى أن التقاطع المتزايد مع "إسرائيل"، ومع تيارات يمينية متطرفة، أسهم في إغلاق أبواب الإمارات التقليدية داخل محيطها العربي والإسلامي.
وأضاف أن الرهان الإماراتي، بعد التطبيع، كان يقوم على إخراج "إسرائيل" من عزلتها الإقليمية، غير أن ما حدث هو دخول أبوظبي في "عزلة موازية" إلى جانب "إسرائيل"، ما دفعها لاحقًا إلى البحث عن تحالفات بديلة توفر لها مظلة حماية، حتى وإن كانت هذه التحالفات "عالية الكلفة ومحفوفة بالمخاطر"، على غرار اتفاقية الدفاع العسكري مع الهند.
وأوضح الشامسي أن الاتفاقية الدفاعية مع نيودلهي لا يمكن مقارنتها بعلاقات عسكرية تقليدية مع دول مثل فرنسا أو بريطانيا، معتبرًا أنها أكثر خطورة بسبب ما وصفه بـ"الواقع السكاني الحساس" داخل الإمارات.
ولفت إلى وجود أكثر من ثلاثة ملايين هندي في الدولة، معتبرًا أن هذا الحجم السكاني يشكّل بحد ذاته عامل ضغط استراتيجي، وإذا ما أُضيف إليه بُعد عسكري، فإن الشراكة قد تتحول مستقبلًا إلى "أداة ابتزاز" تمس السيادة والأمن الوطني.
وحذّر الناشط الإماراتي من أن أي وجود عسكري هندي محتمل في الإمارات لن تكون انعكاساته داخلية فقط، بل ستمتد إلى أمن الخليج بأكمله، مؤكدًا أن دول الخليج تشكّل منظومة أمنية واحدة، وأن أي خلل في توازنها ستكون كلفته جماعية.
وأقرّ بحق الإمارات، بوصفها دولة صغيرة، في البحث عن حلفاء أقوياء، لكنه شدد على أن "الخطأ الجسيم" يكمن في اختيار شريك يمتلك هذا الثقل السكاني داخلها، مستشهدًا بتحذير سابق لوزير الدولة البحريني الراحل حسين غباش بشأن اختلال التركيبة السكانية، حين قال إن "بعض حكام الخليج المعاصرين هم آخر حكام عرب في هذه المنطقة".
وجاءت تصريحات الشامسي عقب إعلان، يوم الاثنين، توقيع الإمارات والهند خطاب نوايا لإقامة شراكة استراتيجية في المجال الدفاعي، وذلك خلال زيارة غير معلنة مسبقًا لرئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى العاصمة الهندية نيودلهي.
وذكرت وكالة أنباء الإمارات (وام) أن أحد خطابات النوايا الموقّعة بين الجانبين يتعلق بالشراكة الاستراتيجية الدفاعية، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار إن توقيع خطاب النوايا لا يعني بالضرورة انخراط الهند في الصراعات الإقليمية.
غير أن هذا التصريح فتح الباب أمام تساؤلات واسعة، خصوصًا أنه تزامن مع تصاعد حدة التوتر بين الرياض وأبوظبي، كما جاء بعد إعلان إسلام آباد إعداد مسودة اتفاق دفاعي ثلاثي يضم باكستان والسعودية وتركيا.
وتعززت هذه التساؤلات في ضوء توقيت زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى الهند، التي جاءت بعد يوم واحد من بث التلفزيون السعودي الرسمي تقريرًا حمل لهجة تصعيدية غير مسبوقة، حذّر فيه من اتخاذ إجراءات ضد الإمارات، متهمًا إياها بالعمل بما يتعارض مع مصالح المملكة.
وأشار التقرير السعودي إلى أن الرياض "لن تتردد في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة" ضد أي طرف يهدد أمنها الوطني، ملمحًا إلى قرارات محتملة قد تُتخذ قريبًا، ومتهمًا أبوظبي بالسير في اتجاه يناقض الدعوات السعودية المتكررة للحفاظ على العلاقات الثنائية.
وفي السياق ذاته، جاء إعلان الاتفاقيات الإماراتية–الهندية متزامنًا مع وصول القوات الجوية الباكستانية والتركية إلى السعودية للمشاركة في مناورات "رمال النصر 2026"، ما عزز الانطباع بوجود إعادة اصطفاف إقليمي متسارعة.
من جهتها، كشفت صحيفة The Hindu الهندية، في تقرير لها، أن المحادثات بين القيادتين الهندية والإماراتية تناولت تطورات الوضع في اليمن، إضافة إلى تدهور العلاقات بين السعودية والإمارات. ونقلت الصحيفة نفي وزير الخارجية الهندي أي نية لبلاده للانخراط في سيناريوهات عسكرية مستقبلية في الخليج.
وتطرق التقرير أيضًا إلى الدور المتنامي للجيش الباكستاني في حماية المصالح الدفاعية والأمنية السعودية في شبه الجزيرة العربية، ولا سيما في اليمن، خاصة بعد تكثيف التعاون الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد منذ توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بينهما في 17 سبتمبر 2025.
وبحسب التحليل الهندي، جاءت زيارة محمد بن زايد في لحظة إقليمية حساسة تشهد إعادة ترتيب موازين القوى في غرب آسيا، مع تنامي التقارب الدفاعي بين السعودية وباكستان، وهو تطور تتابعه نيودلهي بحذر بالغ.
ويرى التقرير أن تعزيز الشراكة مع الإمارات يشكّل، من وجهة نظر الهند، خط دفاع سياسي واستراتيجي في مواجهة أي تحولات قد تمس توازناتها الإقليمية أو مصالحها الأمنية، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين تتجاوز الإطار الاقتصادي، إذ شملت مجالات الدفاع، والتجارة، والطاقة، والفضاء، والتكنولوجيا المتقدمة.
ويأتي التوجّه الإماراتي نحو الهند كشريك استراتيجي، وفق مراقبين، في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي الناجمة عن تراجع الدور الإيراني، واستمرار التنافس مع السعودية على النفوذ في اليمن ومحيطه. وتسعى أبوظبي، في مواجهة احتمالات العزلة الإقليمية الناتجة عن شراكات السعودية المتنامية مع تركيا وباكستان، إلى التعويل على حليف نووي قوي يوفّر لها مظلة ردع وضمانات أمنية واقتصادية.
غير أن تحذيرات ناشطين، من بينهم حمد الشامسي، تضع هذا الخيار أمام اختبار داخلي وإقليمي صعب، وسط مخاوف من أن تتحول الشراكات الجديدة إلى مصدر تهديد طويل الأمد بدلًا من أن تكون عامل استقرار.