اتهم محقق بارز في جرائم الحرب الحكومة البريطانية بالتقاعس عن اتخاذ خطوات فعالة لمنع ما وصفه بـ"مجزرة ترقى إلى الإبادة الجماعية" في مدينة الفاشر السودانية، معتبراً أن الاعتبارات السياسية المرتبطة بالعلاقات مع أبوظبي طغت على الجهود الرامية لحماية المدنيين.
وبحسب تقرير لصحيفة التليغراف البريطانية، فقد تلقى فريق منع الفظائع التابع لوزارة الخارجية والتنمية البريطانية تحذيرات متكررة قبل سقوط مدينة الفاشر، تفيد بأن المدينة تواجه خطراً وشيكاً يتمثل في عمليات قتل جماعي واسعة النطاق على يد قوات الدعم السريع التي تتهمها تقارير دولية بتلقي دعم من الإمارات، وهو ما تنفيه أبوظبي باستمرار.
وقال ناتانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، إن فريقه قدم للمسؤولين البريطانيين معلومات استخباراتية وتحليلات ميدانية بصورة متواصلة لأكثر من عامين، تضمنت مؤشرات واضحة على أن حصار الفاشر سيفضي إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق.
لماذا لم تتحرك لندن؟
وخلال شهادة قدمها أمام لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني، أكد ريموند أن الحكومة البريطانية كانت تمتلك معلومات كافية لتطوير خيارات سياسية ودبلوماسية يمكن أن تسهم في منع الكارثة أو الحد من آثارها.
وأوضح أن مسؤولين بريطانيين أبلغوه بصورة مباشرة بأن أي تحرك أكثر صرامة كان يواجه حساسية سياسية بسبب العلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية بين لندن وأبوظبي.
وفي إفادة مكتوبة للنواب، قال ريموند إن المسؤولين البريطانيين "قدّموا علاقات المملكة المتحدة مع الإمارات على منع التجويع المتعمد والتهجير القسري والمذابح الممنهجة التي ترقى إلى الإبادة الجماعية"، مشيراً إلى أن عشرات الآلاف من المدنيين في الفاشر والمناطق المحيطة بها كانوا معرضين للخطر.
وكانت قوات الدعم السريع قد فرضت حصاراً مطولاً على الفاشر قبل السيطرة عليها بعد نحو 18 شهراً من القتال، في وقت خلص فيه محققو الأمم المتحدة إلى أن بعض الانتهاكات المرتكبة خلال الحصار تحمل "سمات الإبادة الجماعية".
ووفقاً لتحليلات الأقمار الاصطناعية والبيانات مفتوحة المصدر التي جمعها فريق جامعة ييل، فإن عدد القتلى المحتمل خلال الأسابيع التي أعقبت سقوط المدينة قد يصل إلى 60 ألف شخص، وهو رقم وصفه ريموند بأنه يعكس واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
وأشار إلى أن حجم الخسائر البشرية يفوق بأضعاف ضحايا مجزرة سربرنيتسا في البوسنة، كما يتجاوز بكثير حصيلة ضحايا هجمات 11 سبتمبر، معتبراً أن المجتمع الدولي أخفق في التعامل مع المؤشرات المبكرة التي سبقت المأساة.
هل ضاعت فرصة الردع؟
وأكد ريموند أن بريطانيا، بصفتها الدولة المعنية بملف السودان في مجلس الأمن الدولي خلال تلك الفترة، كانت تتمتع بموقع يسمح لها بقيادة جهود دولية أكثر فاعلية للضغط على الأطراف المتورطة في النزاع.
وقال إن الحكومة البريطانية كان بإمكانها، على الأقل، فرض عقوبات مباشرة على أفراد أو جهات مرتبطة بعمليات دعم قوات الدعم السريع، بهدف تعطيل خطوط الإمداد العسكرية التي تحدثت عنها تقارير عديدة.
وأضاف أن ما جرى يعكس، في رأيه، فشلاً امتد عبر حكومتين بريطانيتين متعاقبتين، حيث تم تفضيل الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات على الالتزامات الدولية المتعلقة بمنع الإبادة الجماعية والفظائع الجماعية.
وكشف ريموند عن واقعة قال إنها حدثت في مايو 2024، عندما طلب منه مسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية نشر أدلة بشكل علني تربط منشآت في الإمارات بقوات الدعم السريع، موضحاً أنهم أبلغوه بأن لندن كانت تتعرض لضغوط كبيرة خلف الكواليس حدّت من قدرتها على التحرك السياسي المباشر.
وبحسب إفادته، فإن الوزارة طلبت من مختبر أكاديمي تابع لجامعة أمريكية نشر تلك المعلومات للرأي العام، بدلاً من أن تتولى المؤسسات الاستخباراتية البريطانية المهمة بنفسها، وهو ما اعتبره مؤشراً على وجود تردد رسمي في مواجهة القضية بشكل مباشر.
كما انتقد ريموند طريقة تعامل وزارة الخارجية مع التحذيرات المتكررة الصادرة عن منظمات المجتمع المدني، قائلاً إن بعض المسؤولين أبلغوا ممثلي تلك المنظمات بأن تكرار التحذيرات من سقوط الفاشر قد يؤدي إلى التعامل معها باعتبارها "إنذارات كاذبة".
وأضاف أن الوزارة تبنت تفسيراً ضيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2736، الذي طالب قوات الدعم السريع بإنهاء حصار الفاشر، وامتنعت عن اتخاذ خطوات إضافية ضد الجهات المتهمة بدعمها.
وأشار كذلك إلى أن صدور القرار الأممي أدى، وفق معلومات حصل عليها فريقه، إلى توقف مؤقت في العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، بعدما سادت مخاوف داخل الداعمين المحتملين من احتمال تعرضهم لعواقب سياسية أو دبلوماسية.
غير أن تلك الفرصة، بحسب ريموند، لم تُستثمر بالشكل المطلوب، إذ عاد الهجوم واستؤنف بعد أن تراجعت المخاوف من وجود رد فعل دولي حازم.
وختم المسؤول الأكاديمي شهادته بالتأكيد على أن التقنيات الحديثة وصور الأقمار الاصطناعية والتحليلات المتقدمة يمكن أن توفر معلومات دقيقة تساعد صناع القرار على منع الفظائع، لكنها لا تستطيع وحدها تعويض غياب الإرادة السياسية أو الشجاعة الأخلاقية لاتخاذ القرارات اللازمة في الوقت المناسب.
وتشمل الفترة التي تناولتها الانتقادات المرحلتين الأخيرتين من حكومة ريشي سوناك وبداية حكومة كير ستارمر، في حين لم تصدر وزارة الخارجية والتنمية البريطانية تعليقاً رسمياً على الاتهامات الواردة في الشهادة حتى وقت إعداد التقرير.