"ترفض دولة الإمارات تأكيد زيارة مقررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي هذا الربيع، في إشارة إلى رغبتها في إرساء تعاون مؤسسي دائم مع إسرائيل"، وفق ما يوضحه المؤرخ جان-بيير فيليو في عموده على صحيفة "لوموند" الفرنسية.

وتشير الصحيفة إلى أن المعاهدات الموقعة بين "إسرائيل" ومصر عام 1979، ولاحقاً بين "إسرائيل" والأردن عام 1994، وضعت حداً لعقود من الصراع المفتوح أو المستعر. ومع ذلك، لم تؤسس هذه الاتفاقيات سوى لـ "سلام بارد" بين الاحتلال الإسرائيلي والجارين العربيين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى العداء المستمر من جانب الشعبين المصري والأردني لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وفي المقابل، أرست الاتفاقية الموقعة بين الاحتلال وأبوظبي عام 2020 الأساس لشراكة استراتيجية حقيقية بين دولتين لا توجد بينهما نزاعات ثنائية. ولم يكن هذا الميثاق الأول والأبرز بين "اتفاقيات أبراهام" الأربع التي تم التوصل إليها برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فحسب، بل مثّل أيضاً أول سلام -والوحيد حتى الآن- "سلام دافئ" بين "إسرائيل" ودولة عربية. وقد تجذر هذا السلام في تعاون واسع النطاق، شمل مجالات شديدة الحساسية مثل الأمن والاستخبارات.

وكان الرئيس المصري أنور السادات عام 1979 والملك حسين عاهل الأردن عام 1994 قد توجها إلى البيت الأبيض لتوقيع معاهدتي السلام الخاصتين ببلديهما مع رئيسي الوزراء الإسرائيليين آنذاك [مناحيم بيغن في الحالة الأولى، وإسحاق رابين في الثانية]. وفي حين أبرم رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أول "سلام دافئ" مع الاحتلال الإسرائيلي، فإنه فوض شقيقه الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، لتوقيع الاتفاق في البيت الأبيض عام 2020.

خيبة أمل

شكل تفويض الشيخ عبدالله بن زايد خيبة أمل لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء "إسرائيل" منذ عام 2009، الذي كان يأمل في مصافحة رسمية مع محمد بن زايد أمام كاميرات العالم. وتعمقت خيبة الأمل هذه بدرجة أكبر عندما رفض محمد بن زايد استضافة زيارة رسمية للزعيم الإسرائيلي، الذي كان منخرطاً آنذاك في دوامة من أربع جولات انتخابية خلال عامين، قبل أن يُطاح به في يونيو 2021.

وكان الشيخ محمد بن زايد عازماً على ضمان ديمومة شراكته الاستراتيجية مع "إسرائيل"؛ إذ كان يخشى، وبحق، أن يختزل نتنياهو معاهدة السلام في مجرد ورقة انتخابية، مسبغاً طابعاً شخصياً على علاقة يُفترض أن تُبنى بين دولتين. وفي المقابل، استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، في أبوظبي في ديسمبر 2021. وشهدت تلك المناسبة الاحتفاء بحيوية التجارة الثنائية (التي تبلغ نحو مليار يورو سنوياً)، إلى جانب استثمارات إماراتية ضخمة في "إسرائيل" تصل إلى قرابة 9 مليارات يورو.

وعلاوة على ذلك، وفي مواجهة التهديد الإيراني، كان الشيخ محمد بن زايد يأمل في توسيع نطاق نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي ليشمل منطقة الخليج. ولكي يتحقق ذلك، كان يتعين على زخم اتفاقيات التطبيع أن يشمل السعودية. ومع ذلك، تلاشت آفاق مثل هذا التطبيع مع عودة نتنياهو إلى السلطة في ديسمبر 2022، وما تلا ذلك من مصالحة بين السعودية وإيران بعد ثلاثة أشهر.

فأبوظبي لا تريد لشراكتها الاستراتيجية مع الاحتلال الإسرائيلي أن ترتهن بنتنياهو؛ إذ تضم حكومته وزراء من غلاة المتطرفين والمنادين بالتفوق العرقي والذين يصعدون من حدة الاستفزازات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورغم أن محمد بن زايد لم يظهر سوى اهتمام ضئيل بالقضية الفلسطينية، فإنه لا يمكنه تأييد مثل هذا التصعيد علناً، بحسب الكاتب.

تفاقم التوترات

وقد تزايد هذا الاستياء مع الحرب الشاملة التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها حركة حماس. وتقدم أبوظبي لتل أبيب نوعاً من الغطاء الإنساني من خلال تقديم المساعدات وتسهيل عمليات الإجلاء الطبي. ومع ذلك، فإن الإماراتيين يثقون في ترامب أكثر من نتنياهو، حيث دعموا في فبراير 2025 خطته لتحويل قطاع غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". ومما يذكر في هذا الصدد أن القوة الدافعة وراء "مجلس السلام لغزة" التابع لترامب هو وزير بلغاري سابق مقرب من محمد بن زايد ومقيم في أبوظبي منذ فترة طويلة.

إن الحرب التي شنها ترامب ونتنياهو ضد إيران في 28 فبراير 2026، قد جعلت الإمارات عرضة لضربات إيرانية تفوق تلك التي تستهدف "إسرائيل" نفسها. ورغم ذلك، فإن محمد بن زايد مقتنع بأن الدفاع عن بلاده يتطلب اندماجاً أكثر عمقاً داخل التحالف الإسرائيلي الأمريكي - على النقيض من الموقف الذي اتخذته دول خليجية أخرى، لاسيما السعودية، التي اختارت سياسة التهدئة مع إيران.

ولم تفلح الهدنة الهشة السائدة منذ 8 أبريل في طمأنة الإمارات، التي تشعر بضغوط متزايدة جراء سيطرة إيران المتنامية على مضيق هرمز. وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، زعم نتنياهو أنه التقى محمد بن زايد "سراً" في الإمارات في 26 مارس، وهو ما نفته أبوظبي بشكل قاطع، وإن لم يكن مقنعاً. ومرة أخرى، تبرز المخاوف من أن نتنياهو يستخدم التعاون مع أبوظبي كأداة في الانتخابات المقبلة في أكتوبر.