النظام المصري.. تصدير لأزماته وتخبط في سياساته

الكـاتب : جابر الحرمي
عدد المشاهدات: 1007
تاريخ الخبر: 21-02-2015

يحسب للقيادة في قطر، أنها تغاضت طوال الفترة الماضية من عمر الانقلاب في مصر، التي تجاوزت عاماً ونصف العام عن كل "البذاءات" و"الإساءات" التي صدرت ممن يتولون أمر مصر اليوم، مسؤولين وصناع قرار و"جوقة" من الإعلاميين الفاسدين والمفسدين، الذين لم يدخروا كلمات في قاموس الشتائم والإساءات إلا وتلفظوا بها ضد قطر وقيادتها، وكالوا لها التهم في كل جانب، بحثاً عن جهة لتعليق فشلهم الذريع طوال الأشهر الماضية من حكمهم، فقد دخلت مصر في عهدهم البائس نفقاً مظلماً، ربما لم يسبق لها دخوله في تاريخها الحديث.

ترفعت قطر وقيادتها ومسؤولوها عن الرد على كل تلك الإساءات التي وصلت إلى استخدام كلمات "قبيحة" و"سوقية"، لم يستخدمها حتى عرب الجاهلية قبل الإسلام، ولم تنجر إلى هذا المستنقع، الذي يعرف الإعلام المصري — إلا من رحم ربي — وسحرته العيش فيه، والاقتيات من مائه الآسن.
لكن يظهر أن الحلم لم يعد ينفع مع من يحكم مصر في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، فقد وصل بهذه الفئة "الضالة" أن توجه اتهاماً إلى قطر بأنها تدعم الإرهاب، بعد أن تحفظت قطر على التدخل العسكري المصري في ليبيا، عبر توجيه ضربات عسكرية أوقعت ضحايا أبرياء من النساء والأطفال في مدينة درنة الوادعة، التي انهالت عليها الصواريخ فجراً، علماً بأنها لم تكن طرفاً في التبرير الذي ساقه من يحكمون مصر اليوم بعد عملية إعدام بشعة لـ 21 مصرياً في ليبيا، وأدانتها قطر، فالمكان الذي قيل إنه أعدمت فيه المجموعة لم يكن "درنة"، ولا تتواجد بها "داعش"، إذن لماذا استهدفت هذه المدينة بأحيائها الوادعة ومواطنيها الأبرياء؟
بكل بساطة لأنها تسبب صداعاً للمتمرد "حفتر" الذي يشكل حلفاً ثنائياً مع السيسي، فـ "درنة" عصية على اختراق قوات حفتر، ولم تستطع قواته الدخول إليها، كما أن بقاء حفتر بات مهدداً إذا لم يصله دعم عسكري عاجل، فكان أن تم خلق هذه الأزمة.
إضافة إلى ذلك فإن التدخل العسكري المصري في ليبيا مخالف لميثاق الجامعة العربية، الذي ينص على ضرورة التشاور بين الدول الأعضاء، قبل قيام إحدى الدول الأعضاء بعمل عسكري منفرد في دولة عضو أخرى، وبالتالي فإن قطر التزمت بالميثاق الخاص بالجامعة العربية، التي يريدها من يحكم مصر "مطية" لتنفيذ أجنداته الخاصة.
كما أن التحفظ القطري على البند الخاص برفع الحظر عن التسليح لليبيا، جاء من مبدأ عدم تقوية طرف على حساب طرف آخر، قبل نهاية الحوار وتشكيل حكومة وحدة وطنية، يكون لها الحق في طلب رفع الحظر بالنيابة عن الشعب الليبي الشقيق.
لا أعتقد أن في هذين التحفظين ما يسيء إلى النظام المصري، الذي دفعه "تخبطه" إلى توجيه اتهامات لقطر بأنها تدعم الإرهاب، وهو ما دفع قطر لاستدعاء سفيرها للتشاور، بعد أن "طفح" الكيل من التصرفات "الرعناء" للنظام المصري، الذي لم تسلم منه دول مجلس التعاون الخليجي جميعها، فالتسريبات التي ظهرت خلال الأسابيع القليلة الماضية من السيسي وأركان حكمه فضحت هذا النظام، الذي ينظر إلى دول المجلس على أنها ما هي إلا مصدر تمويل مالي بحت، ليس لدعم الشعب المصري، الذي هو يستحق، إنما لوضع هذه الأموال والدعم الذي قارب 40 مليار دولار في حسابات خاصة، فيما البنك المركزي وحسب كلام السيسي يتم وضع " قرشين " فيه.
التدخل العسكري المصري في ليبيا تحت مبرر مكافحة الإرهاب غير منطقي، فلا ينبغي الخلط بين ضرورة مكافحة الإرهاب وبين قتل وحرق المدنيين الأبرياء بطريقة همجية، والعالم رفض دعوة السيسي للتدخل العسكري في ليبيا، التي أعلنها في اليوم الأول؛ مما حدا بوزير خارجية النظام إلى تخفيض سقف الطلب وعدم تضمينه تدخلاً عسكرياً، بعد أن رأى رفضاً عالمياً في مجلس الأمن.
لقد مارس النظام المصري طوال العام ونصف العام الماضية أبشع أنواع القمع والاضطهاد والملاحقات لكل من يعارضه الرأي، مع كبت للحريات واستبداد في السلطة، واتخاذ الخيار الأمني سبيلاً للتعامل مع الرأي الآخر، فكانت التصفيات والاعتقالات، فحسب منظمات حقوقية هناك نحو 40 ألف معتقل رأي وسجين سياسي زج بهم إلى السجون في فترة الانقلاب، إضافة بالطبع لآلاف القتلى في وقائع متعددة، الذين أحرق البعض منهم.
إن قرار قطر باستدعاء سفيرها للتشاور جاء رداً على اتهام النظام المصري لقطر بدعم الإرهاب، هذه التهمة التي مثلت "القشة" التي دفعت قطر لاتخاذ هذه الخطوة، والتي ساندتها بحزم وقوة دول مجلس التعاون الخليجي، التي استنكرت هذا الاتهام، وقالت على لسان أمينها العام د. عبداللطيف الزياني إنها اتهامات باطلة وتجافي الحقيقة، وتتجاهل الجهود المخلصة التي تبذلها قطر مع شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة الإرهاب، ودعم العمل العربي المشترك في كافة المحافل العربية والدولية، وكل ما من شأنه الحفاظ على مصالح الأمة العربية.
هذا الموقف يجسد بوضوح الوحدة الخليجية، والتكاتف بين دوله، فاستهداف أي دولة هو استهداف للجميع، فهذه الدول الست على قلب رجل واحد أمام التحديات والمخاطر التي تواجه هذا الكيان الخليجي، وإن اختلفت في وجهات النظر حيال بعض القضايا، إلا أنها في الشدائد تقف مجتمعة، وهناك العديد من الشواهد، وربما الغزو الغاشم الذي تعرضت له دولة الكويت الشقيقة في عام 1990 خير شاهد على ذلك.
لقد أكدت قطر مرات عدة أنها مع خيارات الشعوب، وأنها منحازة إلى الشعوب العربية في مطالبها بالحرية والكرامة والعيش الكريم..، وستظل تدافع عن ذلك لا تخشى في الحق لومة لائم، وهي بذلك ستستمر في دعم إرادة الشعب المصري الشقيق واستقراره، ولن تلتفت إلى هذا الغبار الذي يحاول النظام المصري وأعوانه وإعلامه وسحرته.. إثارته حول قطر ودورها الريادي في دعم قضايا الأمة وشعوبها.
وسيظل الشعب المصري الشقيق محل اعتزاز وتقدير قطر قيادة وشعباً، فنحن إن اختلفنا مع النظام الحاكم في مصر في هذه المرحلة، فإننا لا نسقط هذا الخلاف على الشعب، الذين هم أشقاؤنا، ونعتز بدورهم ومساهماتهم معنا في بلدهم الثاني قطر، إن كان ذلك في الماضي أو الحاضر.
القيادة القطرية ترفض الزج بالشعوب في أي خلاف سياسي بين الأنظمة، وتعمل جاهدة على حصر هذا الخلاف في نطاقه، دون التمدد أو التأثير على الشعوب التي لا ذنب لها، ومغلوبة على أمرها.
إن النظام المصري يحاول تصدير أزماته المتعددة في الداخل إلى الخارج، وفشله الذريع، بعد عام ونصف العام من الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي، في تقديم حلول للمشاكل التي يعاني منها الإنسان المصري البسيط في حياته اليومية، رغم كل الدعم المالي والعيني الذي قدمته له دول الخليج، والتي غدر بها، ويسيء إليها، ويتعامل معها على أنها مجرد "ممول" مالي للثراء الفاحش لطبقة معينة.
إننا في قطر واثقون من مواقفنا، سائرون على نهجنا، متمسكون بمبادئنا، داعمون لقضايا أمتنا، منحازون لشعوبها.. وسنظل كذلك.



عدد المشاهدات: 1007
تاريخ الخبر: 21-02-2015

مواضيع ذات صلة