ماذا يقترح المتحذلقون والساخرون؟

الكـاتب : علي محمد فخرو
عدد المشاهدات: 79
تاريخ الخبر: 02-03-2018

لا يمكن أن تلوم البعض عندما يصابون بخيبة الأمل والشعور باليأس أمام الأوضاع المأساوية المفجعة المجنونة التي يعيشها وطنهم العربي، بل نتفهم عندما تقود تلك الخيبات البعض إلى الرغبة في اعتزال حياتهم العامة والانكفاء داخل قوقعة الحياة الخاصة. فالمصائب والانتكاسات كثيرة، والآلام عميقة لا تطاق، ثم إن الشعور بضياع الجهود وبعقم التضحيات التي بذلوها طيلة حياتهم في سبيل الصالح العام يولد عند البعض مشاعر الشماتة والرغبة في الانتقام.
النتيجة هي انقلاب هؤلاء من مثقفين ومناضلين ملتزمين بقضايا أمتهم إلى متحذلقين وساخرين مستخفين بكل شعار وفكر وممارسة، يتمسك بهم القابضون على الجمر، والمصرون على ألا يموتوا إلا وهم واقفون ومرفوعو الرأس. ولكن، هل حقا أن الوصول إلى تلك الحالة من اليأس والشعور بأن الأحزاب والحكومات والجيوش قد خذلتهم يستدعي الكفر بكل شيء؟ فالنضال من أجل أي نوع من الوحدة العربية، سواء أكانت جزئية أو شاملة، هو مراهقة سياسية يجب أن نخرج منها. والحديث عن الفكر الاشتراكي هو هذر طوباوي تخطاه الزمن وأثبتت استحالة تحقيقه في الواقع تجربة الاتحاد السوفييتي السابق، عبر سبعين سنة من المحاولات.
أما رفض ومقاومة الوجود الصهيوني الاستعماري الاستيطاني في فلسطين، فهو نوع من العبث الطفولي العاجز في السياسة، الذي يجهل كيف يتعامل مع الواقع الدولي، ويتعامى عن رؤية الإمكانيات الصهيونية التكنولوجية والسياسية والعسكرية الهائلة المدعومة من دولة عظمى. وأما المطالبة بالاستقلال القومي وحرية الأوطان ورفض التدخلات الأجنبية وهيمنتها على مفاصل الحياة العربية، فإنه دليل على الجهل بمتطلبات العولمة الاقتصادية وتعقيدات تشابك المصالح المتبادلة بين الدول.
إنه إذن رفض لكل أفكار وشعارات وأهداف كل الأيديولوجيات التي طرحت على نطاق عربي واسع خلال القرن العشرين، سواء أكانت الأيديولوجية القومية العربية بشتى تنظيماتها السياسية، أم كانت الإسلامية السياسية بمختلف طروحاتها، أم كانت الماركسية بكل أنواع مسمياتها، أم حتى الليبرالية الكلاسيكية التي تزيحها بقوة وإصرار النيوليبرالية البراغماتية العولمية التي تجتاح عالمنا وعصرنا الحالي. إن الرفض لكل فكر أيديولوجي شامل، حتى ولو كان متماسكا، والانتقال إلى التعامل مع ما تأتي به الأيام بصور تجزيئية لا ترابط بينها، والانصياع لحقائق الواقع بدون موازين قيمية وسياسية أو وطنية أو قومية، هو الذي تطالب تلك الجماعات بممارسته، وتعتبره دليلا على انتقالنا إلى العقلانية والنضج السياسي. حسنا، هذا هو منطقهم، فلنسأل عن معاني ونتائج ذلك المنطق.
أولاَ، نحن نفترض أنهم يتكلمون بصفتهم أصحاب معرفة وثقافة، فما هي صفات ومهمات المثقفين عبر التاريخ الإنساني كله؟ هذا موضوع كبير وواسع، ولكن يمكن اختصاره في أن المثقفين عبّروا دوما عن ضمير المجتمع، واندمجوا فكرا وممارسة في قضايا المصير العام، وهيأوا المجتمعات للقبول بالتغيرات المجتمعية الكبرى، من خلال لعب أدوار المجددين الفكريين والمصلحين الاجتماعيين في آن، ولعبوا كلما تطلب الأمر، أدوار حاملي المعرفة والدعاة والمناضلين، وانتهى بعضهم إلى تحمل مرارات التهميش والسجون أو حتى الشهادة. فهل تستطيع جماعة المتحذلقين والساخرين من ثوابت الأمة وأحلامها، والداعين إلى استسلامها لقدرها ولجلاديها ولمستبيحي ثرواتها، أن تدعي بأنها تتكلم كجماعة مثقفة، إذ هل تنطبق عليهم أي من تلك الصفات ويلتزمون بأي من تلك المسؤوليات؟ فاذا كانت صفة المثقف لا تنطبق عليهم، فبأي صفة يتحدثون؟ وهل نلام إن بدأنا نشم في أقوالهم ومواقفهم رائحة خدمة هذه الجهة الأجنبية أو تلك السلطة المحلية؟
ثانيا، لنفترض حسن النية ولنعذر الضعف الإنساني في هؤلاء، ولنطرح السؤال التالي: ما الذي يقترحونه بديلا عن تلك الثوابت في الأيديولوجيات العربية المختلفة؟ هل يقترحون القبول بتجزئة الأمة العربية الحالي إلى دويلات ودول عاجزة أو متناحرة أو محتلة أو فقيرة؟ هل حقا أن التفكير في نوع اتحادي عملي ومعقول وتدرجي هو ممارسة للمراهقة السياسية؟ ألا يرون ان العالم كله يتجه إلى تكوين تكتلات اقتصادية أو سياسية أو أمنية قادرة على السباحة في بحار العالم الحالي الهائجة والمليئة بكل أنواع الأخطار؟ هل أن المناداة بنظام عدالة اجتماعية تقود إلى توزيع عادل للثروة، وبناء للكرامة الإنسانية في كل مواطن، وتوسيع أكبر للطبقة المتوسطة، وقضاء على الفقر المدقع، هي حديث عن أفكار بالية ما عادت صالحة لعصرنا العولمي الرأسمالي المتوحش؟ هل يريدون التضحية بحقوق وأحلام وتطلعات مشروعة لاثني عشر مليون فلسطيني عربي باسم الواقعية السياسية في التعامل مع الفكر والممارسات والجرائم الصهيونية؟ وماذا عن مشروع إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل؟ هل سيقبلونه بدون مقاومة له ولحامليه وداعميه؟ ما الذي يقترحونه لإيقاف التدخلات والاحتلالات والابتزازات والنهب للثروات التي تمارسها القوى الاستعمارية بحق الوطن العربي كله؟ هل يرضيهم انتقال الحل والعقد لكل قضية عربية إلى يد الآخرين، وموت الجامعة العربية البطيء، وتمزيق كل تجمع إقليمي عربي؟ ما الذي يقترحونه لمواجهة هذا الوضع المأساوي في حياة كل العرب؟
لن نقبل بسماع قهقهات هؤلاء المتحذلقين ولعبهم بالنار، واستخفافهم بكل ثوابت مطروحة لإخراج هذه الأمة من تخلفها التاريخي، ومن ضعفها المذل وهي تنتظر الموت. إذا كانت لديهم أفكار أفضل، تحمي هذه الأمة وتخرجها من الجحيم الذي تعيشه، فليقدمونها، وإلا فليسكتوا وليدعوا الآخرين ليقبضوا على الجمر. ما يوجع القلب أننا أصبحنا نعيش في عصر عربي لا يتصف بتواضع مثقفيه، وإنما بصلف بعضهم إلى حدود الجنون والانتحار.

عدد المشاهدات: 79
تاريخ الخبر: 02-03-2018

مواضيع ذات صلة

مراجعة الرسوم
24 | يونيو 2018