الصراع الدولي في سوريا بين الفشل والفشل

الكـاتب : محمد زاهد غول
عدد المشاهدات: 494
تاريخ الخبر: 03-03-2018

قد لا يكون من الصواب الجزم واليقين في التحليلات السياسية، ولكن ما هو من قبيل الإجماع تأكيد المحللين الأمريكيين والروس والأتراك والعرب وغيرهم، أن الثورة السورية المحلية انتهت من منتصف عام 2012، وتحولت إلى صراع إقليمي من بداية عام 2013 يمثل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني أحد أوجهه المدمرة، بينما كانت معظم فصائل الثورة السورية تتلقى القليل من الدعم السياسي والمادي من بعض الدول العربية وتركيا، ومع ذلك وحتى ذلك التاريخ كانت كفة الثورة الشعب السوري أقوى من قوات بشار الأسد وحلفائه الطائفيين من الإيرانيين والعراقيين واللبنانيين وغيرهم.
وفي الأشهر الأخيرة من عام 2014 أصبح التدخل العسكري الدولي مشرعا بحجة محاربة تنظيم «داعش»، باسم التحالف الدولي الستيني لمحاربة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أن الخطط العسكرية كانت توضع بأيدي جنرالات وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاغون) فقط، وقد تجسد الصراع الدولي أكثر منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، واستمراره حتى اليوم، أي أن التدخل الدولي أصبح هو المسيطر على الأعمال العسكرية الكبرى في سوريا.
الرئيس الروسي بوتين يدعي أنه وجد مبررا قانونيا للتدخل العسكري في سوريا، بادعاء أن النظام السوري طلب منه ذلك، وترد أمريكا على ذلك أن النظام السوري غير موجود أصلاً، وبشار الأسد فاقد للشرعية منذ 2011 من وجهة نظر أمريكية، وهو اليوم جزء من أطراف الصراع ولا يمثل سوريا إطلاقاً، وأعلن بوتين أكثر من مرة عن سحب قواته الرئيسية من سوريا، وإبقاء قاعدتين عسكريتين كبيرتين في طرطوس وحميميم، بينما التقارير الغربية المختصة تشكك بذلك، وأن ما تم سحبه بضعة آلاف من أصل أربعة وأربعين ألف جندي روسي، شاركوا في محاربة الفصائل السورية المسلحة، وبالأخص الجيش السوري الحر، وضرب مقومات الحياة المدنية بقصف المدنيين والمستشفيات والمساجد والأسواق، بسبب تأييدهم للثورة، وبهدف تغيير معادلات القوة العسكرية الميدانية لصالح بشار أولاً، وإيران ثانياً، واستخدامهما لتثبيت وجودها العسكري لعقود مقبلة، سواء بقيت سوريا موحدة او مقسمة، فالأطماع الروسية بالسيطرة على سوريا وسواحل المتوسط هدف لروسيا القيصرية قبل الاتحاد السوفييتي، لم تحققه أولاً، كما لم يحققه الاتحاد السوفييتي أيضاً، وجاءت الفرصة سانحة لروسيا الاتحادية وبوتين لتحقيق هذه الأطماع القومية والكنسية الأرثوذكسية الروسية على أيدي إيران وبشار الأسد وحلفائهما الطائفيين.
وأمريكا تدخلت في الثورة السورية سياسياً منذ بدايتها عن طريق وسطائها بداية، للتأثير على الثورة السورية، والتحكم بقدراتها السياسية والعسكرية، ليبقى دورها ونتائجها ضمن المتحكم به أمريكيا، فوضعت أمريكا لاءاتها الثلاث ضد الثورة السورية، بمنعها من السلاح النوعي، وبالأخص الصواريخ المضادة للطائرات أولاً، ومنعها من الوحدة بين فصائلها السياسية والعسكرية وشرذمتها ثانياً، وأخيراً منعها من استهداف بشار الأسد مباشرة، فمنعت أمريكا عن طريق حلفائها الظاهريين حسم الصراع لصالح الثورة والشعب السوري بالخداع، أو أخرت ذلك، لأنها كانت تخطط للتواجد العسكري في سوريا، وبحثت أمريكا عمن يخدم مشاريعها في سوريا لأنها تجنبت التدخل العسكري المباشر بعد خسائرها في أفغانستان والعراق، فلم تجد غير حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، فسعت لإمداده بالسلاح، وأوجدت أو ساهمت بإيجاد حجة «داعش» والإرهاب في سوريا، وفتحت مسرح الارهاب على مصراعيه في سوريا، بحسب تهم الرئيس الأمريكي ترامب لإدارة أوباما من قبله، وهو ما خدم أهداف بشار الأسد وإيران وروسيا أيضاً، فلعبوا أدوارهم على مسرح محاربة الارهاب، لاتهام الثورة السورية وفصائلها المسلحة بأنها تنظيمات إرهابية، وليست ثورة شعبية ضد الظلم والاستبداد.
وقامت أمريكا بإمداد التنظيمات الارهابية الكردية بالسلاح ودعمتها بالطيران الحربي الامريكي للسيطرة على المدن السورية الشمالية، حتى تمكن حزب العمال الكردستاني من السيطرة على العديد من المدن، وأصبحت تحت سيطرة هذه الأحزاب.
أما تركيا فقد انتظرت وصبرت على أمريكا كثيرا، وانخدعت بالعديد من المشاريع الأمريكية في مسألة محاربة «داعش»، ولدغت من أمريكا في مسألة دعم أمريكا للأحزاب الكردية لحين طرد «داعش»، على الرغم من رفضها ـ أي تركيا ـ المشاركة في محاربة «داعش» وفق الخطط الأمريكية في السنة الأولى للتحالف الدولي، ومطالبتها أمريكا باخراج الأحزاب الكردية من المدن العربية، بعد طرد «داعش» منها، مثل منبج والرقة وغيرهما، ولكن أمريكا نكثت عهودها مع تركيا، وأخلفت مواعيدها بسحب تلك التنظيمات من منبج وإعادتها لأصحابها من السكان الأصليين، وبعد أن أعلنت تلك الأحزاب الكردية أنها قضت على «داعش» في الرقة، تبين أن أمريكا تعاونت معها بإخراج «داعش» منها بالاتفاق بينهما، وانها أي أمريكا لا تسمح للأحزاب الكردية الارهابية بالانسحاب منها، بل تطالبها بالبقاء في هذه المدن وتمكين سيطرتها عليها عسكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وكأن أمريكا تقوم بتجهيزها لإعلان نفسها كيانا كرديا ذاتيا، أو دولة مستقلة عن سوريا، وهذا أمر أضطر تركيا لمواجهة السياسة الأمريكية ومخططاتها الاستعمارية في سوريا، وبالأخص ما يضر بالأمن القومي التركي، فدعمت تركيا الجيش السوري الحر لاستعادة بعض المدن من الشمال السوري غرب الفرات، وإعادة أهلها إليها في عملية درع الفرات، واكملت ذلك في عملية غصن الزيتون، في عملية عسكرية تهدف بها تركيا إلى منع إقامة كيان انفصالي على الحدود التركية في سوريا، يحمل كل معاني التهديد للأمن القومي التركي، كما يهدد الأمن القومي العربي، وبالأخص بعد أن قام حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته، قوات حماية الشعب، بعدة عمليات ارهابية داخل تركيا.
أمريكا لم تسكت على التحركات التركية بدعمها للجيش السوري الحر لتحرير مدنه وقراه من الأحزاب الكردية والداعشية، وإعادة أهلها إليها، واخذت تستغل كل الحجج لوقف الخطة التركية في سوريا، لأنها في نظر امريكا تعرقل الخطة الأمريكية فقط، فأمريكا لا يهمها محاربة تركيا للتنظيمات الإرهابية، وإنما يهمها نجاح خطتها في سوريا، وبالأخص في صراعها الدولي مع روسيا وإيران، ونفوذهما المتزايد في المنطقة، وامريكا لا يهمها نجاح مشاريع السلام في سوريا إلا بما يخدم مصالحها، سواء في جنيف أو أستانة أو غيرهما، فأمريكا لن تغادر سوريا عسكريا إلا بعد مغادرة روسيا لها عسكريا، وإذا بنت روسيا قاعدتين عسكريتين في سوريا فإن امريكا ستبني مقابلها عشر قواعد، وروسيا وجدت حليفا لها على الأرض هو جيش بشار الطائفي وإيران وميليشياتها الطائفية، بينما راهنت أمريكا على الحصان الكردي، ولو كان ضعيفا وعاجزا عن تحقيق أهدافها، ولكن ما يميزه أنه يملك وجودا على الأرض السورية ولو كان صغيرا، فعملت أمريكا على تكبيره جغرافيا وتقويته عسكريا ليصبح كيانا مستقلاً، تستخدمه أمريكا لتسويغ وجودها العسكري في المستقبل، فكان من أخطاء أمريكا في التحالف مع الجناح الضعيف في سوريا وهي الأحزاب الكردية، أنها أصبحت أمام مواجهة مع حليفها الاستراتيجي وهو تركيا، وفي الوقت نفسه لن تستطيع مواجهة روسيا وإيران في سوريا إذا تركت تركيا تلجأ إلى روسيا وإيران لدعمها في حماية امنها القومي التركي الداخلي والخارجي.
إن أمريكا ستخسر صراعها الدولي في سوريا إذا تخلت عن حليفها الاستراتيجي التركي، ومحاولتها استغلال قرار مجلس الأمن الأخير (2401) لصالحها من خلال تفسيرها له بأنه يشمل منطقة عفرين وتركيا بالهدنة لمدة ثلاثين يوما هو ضرب من التحايل المكشوف، لأن تركيا تعرف أهدافها وتنفذها بنفسها، ولا تستطيع التحالف مع أمريكا، وهي تتبنى حليفا ضعيفا مثل الاحزاب الكردية، التي لا تعرف من تحالف ولا من تحارب، لأن قياداتها السياسية مجرد أدوات بأيدي الدول المتصارعة دوليا فقط، وتركيا أمام خيارات عديدة في تحالفاتها الدولية ليس بالضرورة ضد أحد من الدول الكبرى، لأن القضية التركية هي الأمن والازدهار الداخلي والخارجي معاً، ولا تسعى للتحالف مع أحد ضد أحد، والصراعات الدولية في سوريا لا تعني تركيا بقدر ما يعنيها أمنها القومي الداخلي والخارجي أولاً، وأن تكون الدول المجاورة لها خالية من الصراع الدولي ثانياً.
أما سوريا فلن تبقى لأحد الأطراف المتصارعة دوليا إلى الأبد، لأنها ستبقى لأهلها إلى الأبد، فالصراع الدولي في سوريا سيكون مصيره الفشل وراء الفشل، والصراع الدولي بين روسيا وامريكا في سوريا لن يزيد الشعب السوري إلا قوة، وسيرحل الغزاة خائبين كما رحل الذين من قبلهم، ولو بعد حين.

عدد المشاهدات: 494
تاريخ الخبر: 03-03-2018

مواضيع ذات صلة