عن الانسداد السياسي ومطالب الإصلاح التي لم تُنسخ

الكـاتب : ياسر الزعاترة
عدد المشاهدات: 356
تاريخ الخبر: 04-04-2018

للأمّة وعي جمعي بالغ الحساسية، فهو يستوعب الأولويات على نحو ربما يتفوق على النخب السياسية، وحين تندلع معارك ذات أولوية، يجري التنازل عن مطالب محقة أخرى، ولعل ذلك هو ما كانت تعيه بعض الأنظمة التي كانت تتاجر بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، للتستر على بؤس أوضاعها الداخلية.
على أن المطالب المشروعة للشعوب لا تُنسخ، وإن تم تأجيلها لبعض الوقت، ولا شك أن مطالب الإصلاح السياسي هي من أهم المطالب التي لم ولن تُنسخ بأي حال من الأحوال، وبالطبع لأنها المسار الحقيقي والطبيعي لتحقيق المطالب الأخرى المتعلقة بالحرية ونبذ الفساد والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن التعبير عن ضمير الناس في السياسة الخارجية.
مطالب الإصلاح كانت –للتذكير- سابقة على الربيع العربي، إن كان في الدول التي لا تعددية فيها، أم تلك التي عرفت ما كنا نسميه «ديمقراطية الديكور»، أي تلك التي تأخذ من الديمقراطية هياكلها الخارجية فقط، من دون مضمون حقيقي، أي عبر تفصيل لعبة ديمقراطية مبرمجة، لا تفضي إلى أي شكل من أشكال التغيير الحقيقي، الذي يجعل للشعوب ولاية على قراراتها.
شكّل الربيع العربي نقلة على هذا الصعيد، لكنه لم يكن لوناً واحداً، فهناك دول عديدة لم تطرح فيها مطالب تغيير جذرية، وكانت المطالب مركّزة فقط على الإصلاح السياسي ضمن الأنظمة القائمة، ونتذكر العرائض وبعض أشكال الفعاليات الشعبية على هذا الصعيد، بخاصة بعد بروز الدور المهم لمواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى قبل ذلك.
اليوم، يمكن القول إن هذه المطالب قد تراجعت بعض الشيء، وربما اختفت في دول كثيرة، ليس لنجاح الثورة المضادة وحسب ومعها تصاعد القمع، بل وهو الأهم، لبروز معركة أخرى مع إيران، أما القضية الفلسطينية التي شكّلت جزءاً أساسياً من الوعي الجمعي للأمّة، وكانت المواقف البائسة منها جزءاً من دوافع الربيع العربي، فبدأت تعود إلى الواجهة من جديد عبر مواقف للبعض أكثر إثارة للجماهير حيال الكيان الصهيوني وغطرسته، بخاصة بعد مواقف ترمب الأخيرة، وقضية «صفقة القرن» على وجه التحديد.
المصيبة أن بعض الأنظمة لم تستثمر هذا الوعي المتقدم، من أجل التقارب أكثر مع الجماهير ورموزها الشعبية، ورأينا بعضها يلجأ إلى تغييب أصوات تلتقي معه في المعركة بسبب حساسيات غير مقنعة، أو بسبب مواقف سابقة وربما لاحقة، تتعلق أكثر بمطالب الإصلاح، في حين مالت أنظمة أخرى إلى حالة أسوأ من القمع والانسداد السياسي الواضح.
هذه الحالة من الانسداد السياسي التي بدأت تظهر في المشهد العربي، ستعيد إلى الواجهة من جديد مطالب الإصلاح السياسي، بل ربما أفضت إلى انفجار جديد، ما يعني أن على الأنظمة أن تعيد النظر في سياستها، وتتأكد أنه في زمن مواقع التواصل، فإن صمت الناس على حالة الانسداد قد لا يدوم طويلاً.
شعوبنا تستحق أن تحظى بالحرية والتعددية والمشاركة السياسية، ويجب ألا يُعتبر ذلك فضلاً ولا منّة عليها، فهي ليست أقل من معظم شعوب الأرض التي حظيت بهذه الميزة، وعموماً فهذا هو تيار التاريخ الذي لن يتمكن أحد من الوقوف في وجهه طويلاً، ومن يبادر ستكون له الأفضلية عند شعبه، وسيعمل حقاً لصالح بلده ومستقبله.; 

عدد المشاهدات: 356
تاريخ الخبر: 04-04-2018

مواضيع ذات صلة