كشف تحقيق صحفي موسّع عن أدوار غير معلنة للإمارات في مخططات مرتبطة بإدارة قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي، تتجاوز الدور الإنساني المعلن، وتشمل ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية ولوجستية وُصفت بأنها تصب في خدمة رؤية الاحتلال الإسرائيلي لمستقبل القطاع وسكانه.

وبحسب تحقيق نشرته مجلة فلسطين كرونيكل للصحفي والكاتب المتخصص في شؤون فلسطين والشرق الأوسط روبرت إنلاكيش، فإن أبوظبي عملت، خلال فترة الحرب، خلف غطاء كونها "أكبر مانح للمساعدات الإنسانية" لغزة، بما مكّنها من التنسيق والعمل جنباً إلى جنب مع "إسرائيل" في مشاريع اعتبرها التحقيق ذات طبيعة خطيرة على المدنيين الفلسطينيين.

ويشير التحقيق إلى أن النفوذ الإماراتي في قطاع غزة لم يبدأ بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، ولم يقتصر على بعثات الإغاثة الإنسانية، بل يعود إلى ما قبل ذلك بسنوات، في سياق اتفاقيات التطبيع التي جعلت من أبوظبي الشريك العربي الأبرز لـ"إسرائيل" على المستويات السياسية والاستخباراتية والاقتصادية، إضافة إلى أبعاد عسكرية غير مباشرة.

ووفقًا لما أورده إنلاكيش في التحقيق، فقد جرى الترويج على نطاق واسع للعلاقة الإماراتية مع غزة باعتبارها علاقة إنسانية بحتة، مستندة إلى الإعلان عن إنفاق نحو 1.8 مليار دولار كمساعدات للقطاع خلال أكثر من عامين. غير أن التحقيق يشير إلى أن هذه المساعدات، رغم أهميتها، تزامنت مع إعلان المجاعة في غزة، وارتفاع معدلات المرض والوفيات، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفًا، نتيجة الحصار الإسرائيلي الكامل الذي استمر لأشهر.

ويضيف التحقيق أن الحصار الإسرائيلي تزامن مع استمرار الرحلات الجوية التجارية والعسكرية بين أبوظبي وتل أبيب، وهو ما يراه الكاتب دليلاً على دور إماراتي غير معلن في تخفيف آثار العزلة المفروضة على تل أبيب، في وقت كانت فيه غالبية شركات الطيران الدولية تعلق رحلاتها.

وفي مايو 2024، وبعد اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لمدينة رفح وإغلاق المعبر الحدودي بين مصر وغزة، بدأت "إسرائيل" – بحسب التحقيق – بالاعتماد على مجموعات مسلحة محلية مرتبطة بتنظيمات متطرفة، من بينها عناصر موصوفة بالارتباط بداعش، لنهب المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع والتحكم في توزيعها.

ويذكر التحقيق أن إحدى هذه المجموعات كانت بقيادة ياسر أبو شباب المدعوم من أبوظبي، الذي استُخدمت مجموعته لسرقة المساعدات وطرحها في السوق السوداء، ما ساهم في تعميق أزمة التجويع.

وبحسب تحقيق فلسطين كرونيكل، فقد خضعت هذه المجموعات المسلحة لاحقًا لعملية "إعادة تلميع" إعلامي، حيث جرى تقديمها في وسائل إعلام غربية على أنها قوى محلية شعبية مناهضة لحركة حماس. ومع بدء وقف إطلاق النار في يناير 2025، قبل أن تنتهكه إسرائيل لاحقًا، عادت هذه الجماعات إلى الواجهة تحت مسمى "القوات الشعبية"، مستخدمة معدات تكتيكية قدمتها إسرائيل.

ويتوقف التحقيق مطولًا عند ما سُمّي بـ"مؤسسة غزة الإنساني" (GHF)، وهي آلية لتوزيع المساعدات تعتمد على خصخصتها عبر متعاقدين عسكريين خاصين. ووفقًا لما أورده إنلاكيش، تحولت هذه الآلية إلى ما وصفه الفلسطينيون بـ"فخاخ الموت"، إذ جرى استدراج المدنيين الجوعى إلى نقاط توزيع تعرضوا عندها لإطلاق نار، ما أدى إلى مقتل أكثر من ألفي شخص.

ويكشف التحقيق أن مخطط "مؤسسة غزة الإنسانية" لم يكن يهدف فقط إلى إدارة المساعدات، بل كان جزءًا من خطة أوسع لتشريد ما لا يقل عن 600 ألف فلسطيني ونقلهم إلى منشأة مغلقة أُقيمت على أنقاض مدينة رفح، وُصفت في التحقيق بأنها "معسكر اعتقال".

ووفقًا للمعلومات الواردة، كان من المقرر أن تتولى مجموعات مسلحة محلية، مرتبطة ب"إسرائيل"، مهمة تأمين هذا المعسكر.

ويشير التحقيق إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي أصدر تعليماته قبل الإعلان العلني عن الخطة بالبدء في إنشاء هذه المنشأة، المصممة لاستيعاب سكان منطقة المواصي، في إطار ما جرى تسويقه لاحقًا كمشروع "إعادة إعمار".

وفي هذا السياق، يلفت التحقيق إلى دور الإمارات في إنشاء مرافق لتحلية المياه في مدينة العريش المصرية، قرب حدود غزة، ضمن عملية "الفارس الشهم 3".

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إماراتية رسمية في يناير 2024، فقد بنت أبوظبي ست محطات لتحلية المياه قادرة على تزويد نحو 600 ألف شخص بالمياه، وهو رقم يتطابق – بحسب التحقيق – مع عدد الفلسطينيين المستهدف نقلهم إلى المنشأة المقترحة في رفح.

ويضيف إنلاكيش أن الإمارات تعهدت لاحقًا، قبيل وقف إطلاق النار، بالمساهمة في توفير المياه لما وصفته بـ"المجتمع الجديد" المزمع إنشاؤه جنوب غزة، وهو ما اعتبره التحقيق مؤشرًا إضافيًا على التنسيق المسبق مع المخطط الإسرائيلي.

كما يتناول التحقيق تصاعد العلاقات الاقتصادية بين أبوظبي و"إسرائيل" خلال الحرب، حيث سجّل التبادل التجاري بين الجانبين زيادة بنسبة 21% في عام 2025، بعد أن بلغ 3.2 مليارات دولار في عام 2024، وهو العام الذي شهد تفاقم المجاعة في غزة، بحسب التحقيق.

ويشير التحقيق إلى أن الإمارات لعبت دورًا محوريًا كمنفذ دبلوماسي وتجاري لإسرائيل، سواء عبر استمرار الرحلات الجوية أو من خلال دورها كممر عبور، فضلًا عن مساهمتها في التخفيف من آثار الضغوط الناجمة عن الهجمات في البحر الأحمر.

ويخلص تحقيق فلسطين كرونيكل إلى أن الدور الإماراتي في غزة لم يقتصر على الجانب الإنساني، بل شمل دعمًا سياسيًا واقتصاديًا ولوجستيًا لإسرائيل، إلى جانب انخراط في مشاريع اعتبرها التحقيق مدمّرة للنسيج الاجتماعي الفلسطيني، ومؤثرة بشكل مباشر على مستقبل القضية الفلسطينية وإمكانية قيام دولة مستقلة.