كشف تقرير أممي صادم عن تصاعد ظاهرة الاتجار بالبشر المرتبط بعمليات الاحتيال الإلكتروني العابرة للحدود، موثقاً حالات استغلال قسري في عدد من الدول، من بينها الإمارات، خلال الفترة بين عامي 2021 و2025.

ويصف التقرير، الصادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، هذه الظاهرة بأنها "مشكلة معقدة للغاية" (Wicked Problem)، في إشارة إلى تشابك أبعادها الجنائية والاقتصادية والتكنولوجية، وصعوبة معالجتها من خلال مقاربة تقليدية لمكافحة الجريمة فقط، دون تبني منظور حقوقي شامل يركز على حماية الضحايا.

استدراج بوظائف وهمية

بحسب التقرير، جرى استدراج مئات الآلاف من الأشخاص من أكثر من 60 دولة عبر إعلانات توظيف مضللة، تتضمن وعوداً برواتب مرتفعة وفرص عمل في مجالات تقنية أو تسويقية. لكن بعد وصولهم إلى وجهاتهم، يُفاجأ الضحايا باحتجازهم داخل مجمعات مغلقة، ومصادرة وثائقهم، وإجبارهم على تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني تستهدف ضحايا حول العالم.

وتشير المفوضية إلى أن هذه المراكز تعمل ضمن شبكات منظمة تستفيد من التطور التكنولوجي، ومن ثغرات قانونية واختلافات في أنظمة إنفاذ القانون بين الدول، ما يسمح لها بإعادة التموضع جغرافياً عند تعرضها للملاحقة.

وفي ما يتعلق بالإمارات، يذكر التقرير أنه تم توثيق حالات لأشخاص تم الاتجار بهم وإجبارهم على العمل داخل مراكز احتيال إلكتروني على أراضي الدولة خلال الأعوام الماضية. واستندت هذه الإشارات إلى مقابلات وشهادات لناجين، إضافة إلى معلومات جمعتها جهات أممية وشركاء دوليون.

ولا يربط التقرير بين السلطات الإماراتية أو مؤسسات الدولة وهذه الأنشطة الإجرامية، لكنه يضع وجود هذه الحالات في سياق الانتشار العالمي للظاهرة، مؤكداً أن الشبكات الإجرامية تستغل البيئات العابرة للحدود وسهولة الحركة الدولية والأنشطة الاقتصادية الرقمية.

أنماط الانتهاكات الموثقة

يوثق التقرير أنماطاً متعددة من الانتهاكات داخل هذه المراكز، من بينها الاحتجاز القسري ومنع التنقل، ومصادرة جوازات السفر والوثائق، التهديد بالعنف أو الإبلاغ للسلطات، وإرغام الضحايا على تنفيذ عمليات احتيال مالي وعاطفي عبر الإنترنت، إضافةً إلى سوء معاملة جسدية ونفسية في بعض الحالات.

ويؤكد التقرير أن العديد من الضحايا يُجبرون على ارتكاب أفعال غير قانونية تحت الإكراه، ما يعرضهم لاحقاً للمساءلة الجنائية بدل الاعتراف بوضعهم كضحايا اتجار بالبشر.

ودعت المفوضية السامية إلى التعامل مع الظاهرة من منظور يوازن بين ملاحقة الشبكات الإجرامية وضمان عدم تجريم الضحايا.

كما حثت الدول على تعزيز آليات التعرف المبكر على ضحايا الاتجار، وتوفير الحماية القانونية وإعادة التأهيل، وتكثيف التعاون القضائي والأمني الدولي، وتنظيم قطاع التوظيف الإلكتروني ومنصات الإعلان الوظيفي.

ظاهرة تتجاوز الحدود

يخلص التقرير إلى أن الاتجار بالبشر في سياق مراكز الاحتيال الإلكتروني لم يعد ظاهرة محصورة في منطقة جغرافية بعينها، بل أصبح جزءاً من اقتصاد إجرامي عالمي يستفيد من الفوارق الاقتصادية وضعف فرص العمل والهشاشة الاجتماعية في بلدان المصدر.

ويؤكد أن معالجة هذه "المشكلة المعقدة" تتطلب استجابة متعددة المستويات، تشمل الحكومات، والقطاع الخاص، والمنظمات الدولية، وشركات التكنولوجيا، لضمان حماية الأفراد ومنع تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة استغلال عابر للقارات.

وجاءت الإشارة إلى الإمارات في التقرير الأممي في ظل وجود إطار قانوني وطني يجرّم الاتجار بالبشر ويعاقب عليه بعقوبات مشددة، إلى جانب لجان وطنية مختصة وبرامج لحماية الضحايا.

وتفرض الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكات تحديات إضافية حتى على الدول التي تمتلك تشريعات واضحة، نظراً لاعتماد الجريمة على تقنيات رقمية وتحويلات مالية معقدة.