قال الأكاديمي والسياسي الإماراتي عبدالخالق عبدالله إن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شنتها إيران على الإمارات شكّلت "صدمة عميقة" للإماراتيين، مؤكداً أن هذه التطورات قد تغيّر نظرة دول الخليج إلى طهران على المدى الطويل، وربما تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.

وفي مقابلة مع وكالة Ukrinform الأوكرانية، أوضح عبدالله أن الإمارات لم تعتد تاريخياً على مواجهة هجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة بهذا الحجم والكثافة، مشيراً إلى أن ما حدث كان غير مسبوق بالنسبة لدولة عُرفت لسنوات طويلة بكونها واحة استقرار في منطقة مضطربة.

وأضاف أن المفاجأة الأكبر بالنسبة للإماراتيين تمثلت في أن إيران استهدفت الإمارات بصورة أشد من استهدافها لدول خليجية أخرى، على الرغم من العلاقات الاقتصادية والتجارية التي ربطت البلدين لعقود طويلة.

ولفت إلى أن الإمارات كانت تُعد بمثابة "الرئة والبوابة" التي تتواصل إيران من خلالها مع العالم الخارجي، وهو ما جعل الهجوم الإيراني أكثر إثارة للدهشة والصدمة داخل المجتمع الإماراتي.

حذر من إيران

وأكد عبدالله أن هذا العدوان سيترك أثراً عميقاً في نظرة الإماراتيين الرسمية والشعبية تجاه إيران. وقال إن طهران كانت تُعتبر خلال العقود الماضية تهديداً محتملاً لأمن الخليج منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية، إلا أن التطورات الأخيرة رفعت مستوى هذا التهديد في نظر العديد من دول المنطقة.

وعن الأجواء التي سادت في الأيام الأولى للهجمات، أشار عبدالله إلى أن السكان شعروا بالارتباك عند سماع صفارات الإنذار وسقوط الصواريخ والطائرات المسيّرة. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن أنظمة الدفاع الجوي في الإمارات كانت مستعدة لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.

وأوضح أن القوات الدفاعية تمكنت من اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات، بما في ذلك المسيّرات الإيرانية من طراز Shahed-136، حيث تراوحت كفاءة الاعتراض بين 93 و96 في المئة. ورغم ذلك، أشار إلى وقوع أضرار محدودة في بعض المنشآت المدنية نتيجة شظايا الصواريخ والمسيّرات التي تم إسقاطها.

وقال إن فعالية منظومات الدفاع الجوي شكّلت بدورها مفاجأة إيجابية للإماراتيين، إذ اعتبرها دليلاً على نجاح الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الدولة خلال السنوات الماضية لتعزيز قدراتها الدفاعية، مؤكداً أن الثقة بقدرات الحماية الجوية أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى.

وفيما يتعلق بتداعيات الأزمة على الأمن الغذائي والمائي في الخليج، أوضح عبدالله أن الاهتمام العالمي يتركز غالباً على تأثير التوترات في مضيق هرمز وأسواق النفط، بينما لا يحظى موضوع الأمن الغذائي والمائي بالقدر ذاته من النقاش. وأكد أن الإمارات وضعت خططاً مسبقة لمواجهة مثل هذه الأزمات، مشيراً إلى امتلاكها احتياطيات استراتيجية من الغذاء والمياه والأدوية تكفي لما لا يقل عن عامين.

كما أشاد بالموقف الأوكراني الذي أعلن تضامنه مع الإمارات بعد الهجمات، لافتاً إلى أن كييف عرضت تقديم خبرتها في مواجهة المسيّرات الإيرانية، خصوصاً تلك التي استخدمتها روسيا في الحرب ضد أوكرانيا.

وذكر أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عرض المساعدة في تحييد هذا النوع من الطائرات، مؤكداً أن هذه المبادرة لقيت تقديراً كبيراً في الإمارات. وأضاف أن العلاقة الوثيقة بين موسكو وطهران تجعل من أوكرانيا ودول الخليج في مواجهة تحديات أمنية متقاربة.

أشار عبدالله إلى أن الإمارات تستضيف أكثر من 200 جنسية، ما يجعل أي هجوم عليها يمسّ عملياً مواطني دول عديدة، وهو ما يفسر حجم التضامن الدولي الذي تلقته الدولة خلال الأزمة.

المستقبل تجاه إيران

وفي ما يتعلق بإمكانية التوصل إلى تسوية طويلة الأمد مع إيران، قال إن الجغرافيا والتاريخ يجعلان من العلاقة بين البلدين علاقة جوار لا يمكن تغييرها، إذ لا تفصل بينهما سوى نحو 100 كيلومتر من المياه. غير أنه اعتبر أن مستقبل هذه العلاقة سيعتمد بدرجة كبيرة على التطورات الداخلية في إيران، خصوصاً ما قد يحدث بعد المرشد الأعلى علي خامنئي.

ورأى أن إيران تمر حالياً بمرحلة معقدة داخلياً ودولياً، مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية، مشيراً إلى أن نتائج الحرب الحالية قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد شكل العلاقات الإقليمية في السنوات المقبلة.

وفي ما يخص احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين دول الخليج وإيران، قال عبدالله إن دول الخليج لم تطلق حتى الآن أي هجوم مضاد رغم استمرار الضربات الإيرانية، موضحاً أن الاستراتيجية الحالية تقوم على الدفاع عن النفس وتجنب توسيع دائرة الصراع. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن للصبر حدوداً، وأن القانون الدولي – ولا سيما المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة – يمنح الدول حق الدفاع عن نفسها إذا استمرت الهجمات.

وختم بالقول إن التهديدات الخارجية غالباً ما تدفع الدول العربية إلى تعزيز تعاونها الأمني، متوقعاً أن يؤدي التصعيد الحالي إلى تعميق التنسيق داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وربما إلى بحث إنشاء تحالف دفاعي أوسع يشبه ما يُعرف إعلامياً بـ"الناتو العربي"، لمواجهة التهديدات المشتركة في المنطقة.