في الوقت الذي شنت فيه إيران هجمات على المنطقة وسط الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة هذا الشهر، لم تتعرض أي دولة خليجية لهجوم أكبر مما تعرضت له الإمارات.
اعترضت الإمارات غالبية الهجمات الإيرانية، لكن بعضها تمكن من التسلل، وضرب المباني السكنية وألحق أضراراً بميناء نفطي ومطار دبي.
سعت الإمارات لتعزيز وجودها كقوة اقتصادية إقليمية، فعززت علاقاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وتستضيف قاعدة أمريكية كبيرة، هي قاعدة الظفرة الجوية، الواقعة بالقرب من أبوظبي. ويرى المحللون أن هذا الموقع الجغرافي، إلى جانب قربها من إيران، يجعلها هدفاً رئيسياً لهجمات طهران.
وقال برايان كاتوليس، وهو زميل بارز في معهد الشرق الأوسط: "من خلال ضرب الإمارات، تسعى إلى تقويض الدور الذي تلعبه في ربط المنطقة الأوسع بالجهات الفاعلة الخارجية، وإلى إحداث آثار أوسع في الاقتصاد العالمي من حيث التجارة والاستثمار، بالإضافة إلى الجهود المستمرة لفرض تكاليف في أسواق الطاقة العالمية".
ويرى كاتوليس أن بعضاً من داخل النظام الإيراني ينظرون إلى الإمارات بـ "درجة كبيرة" من الغيرة والحسد، لا سيما عندما يتعلق الأمر بوضعها الاقتصادي.
وقال لصحيفة "ذا هيل": "في معارك السرديات والرؤى العالمية الأوسع التي تشكل الشرق الأوسط اليوم، تبرز التناقضات بين إيران والإمارات بشكل صارخ".
قال برايان كارتر، وهو زميل في مشروع التهديدات الحرجة في معهد أمريكان إنتربرايز (AEI)، إن الإمارات العربية المتحدة "هشة" اقتصادياً، وأن دبي، وهي المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان والأكثر شهرة فيها، يمكن أن تكون عاملاً مضاعفاً للضرر عند تعرضها للهجوم.
وقال كارتر في مقابلة مع صحيفة "ذا هيل" يوم الإثنين: "دبي، على وجه الخصوص، تتمتع بطابع دولي كبير للغاية، وهناك حضور دولي كبير يمكن أن يخلق آثاراً سياسية كبيرة عند مهاجمة الإمارات".
وقالت مروة مزيد، وهي محاضرة زائرة في الدراسات الإسرائيلية بجامعة ميريلاند، إن إيران تنظر إلى الإمارات باعتبارها الدولة الخليجية "الأكثر توافقاً استراتيجياً" مع "إسرائيل"، حيث يخلق التعاون "انطباعاً بالمشاركة" حتى مع عدم قيام الإمارات بشن ضربات بنفسها.
قال مزيد لصحيفة ذا هيل مؤخراً: "من وجهة نظر إيران، كان من المتوقع أن تنجح دول الخليج إما في ثني ترامب عن الانضمام إلى الحرب الإسرائيلية أو أن تخاطر بمعاملتها كجزء من التحالف. وفي هذه الحالة، تصبح أراضيها جزءاً من ساحة المعركة".
تمتلك الإمارات، التي استعدت لعقود لمواجهة هجمات مماثلة، العديد من أنظمة الدفاع الجوي الأرضية من دول مختلفة، إلى جانب طائرات مقاتلة. صُممت هذه الأنظمة، التي تشمل أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية الصنع "ثاد" و"باتريوت"، لاعتراض الصواريخ الباليستية. تتصدى أنظمة "باتريوت" للتهديدات منخفضة الارتفاع، بينما يتصدى نظام "ثاد" للتهديدات بعيدة المدى وعالية الارتفاع.
تم اختبار جميع الأنظمة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، حيث أطلقت إيران وابلاً من الطائرات المسيرة والصواريخ باتجاه الإمارات.
وأفادت وزارة الدفاع الإماراتية بأن أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية تعاملت اليوم الأربعاء مع تسع طائرات مسيرة وسبعة صواريخ باليستية أُطلقت من إيران.
وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الإمارات، يوم الأحد، إن الهجمات الإيرانية المستمرة تجبر الدولة الخليجية على إعادة النظر في أمنها، وقد تؤدي إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة.
بدأت الإمارات حملةً على الأصول المملوكة لإيران، في ظلّ دراستها الانضمام إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل" في حربها. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، مساء الإثنين، أن أبوظبي أغلقت نادياً إيرانياً ومستشفى إيرانياً في دبي.
كما سلطت الحرب الضوء على بعض مخاطر التحالف مع الولايات المتحدة، فضلاً عن حدود المظلة الأمنية الأمريكية في المنطقة.
منذ بدء الحرب وحتى اليوم الأربعاء، تصدّت الدفاعات الجوية الإماراتية لـ 1815 طائرة مسيّرة، و357 صاروخاً باليستياً، و15 صاروخاً كروز، وفقاً لوزارة الدفاع الإماراتية. وأسفرت هذه الهجمات الجوية عن استشهاد اثنين من أفراد القوات المسلحة الإماراتية، بالإضافة إلى ستة آخرين، وإصابة أكثر من 161 شخصاً.
وقالت مزيد إن أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية أدت أداءً فعالاً للغاية وفقاً للمعايير التاريخية، لكنها أشارت إلى أن التحدي الذي يواجه أبوظبي هو "الاستدامة". وتعتمد طهران بشكل كبير على الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة، في حين أن الطائرات الاعتراضية المستخدمة لإسقاطها أكثر تكلفة.
وأضافت: "إذا انتهت الحرب قريباً، فمن المرجح أن يُسجل هذا الأداء على أنه نجاح. ولكن إذا طال أمد الصراع، فقد تصبح تكلفة الحرب وديناميكية الاستنزاف مشكلة استراتيجية خطيرة".
مع استمرار إيران في قصف الإمارات، ازدادت تقارير الدولة عن ضربات طهران غموضاً. ففي بداية الحرب، كشفت الإمارات عن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي اعترضتها منظومات دفاعها الجوي، لكنها مؤخراً اكتفت بالإشارة إلى عدد الأهداف التي "اشتبكت" معها منظوماتها.
قال كارتر، من معهد أمريكان إنتربرايز، إن هناك مجموعة من العوامل المؤثرة، بما في ذلك المخاوف الأمنية العملياتية. وأضاف أنه فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية تحديداً، فإن الكشف عن عدد الصواريخ التي أصابت البحر مقابل عدد الصواريخ التي أصابت الأراضي الإماراتية سيعطي الإيرانيين فكرة واضحة عن عدد الصواريخ الاعتراضية التي استخدمتها أبوظبي.
"لأنك إذا كنت تدافع عن مجال جوي، يمكنك أن تعرف أن صاروخاً باليستياً سيسقط في الماء، فلا داعي لاعتراضه. لذا، إذا أخبرت الإيرانيين أن عدداً معيناً من صواريخك قد أصاب الماء، فلن يحتاج الأمر إلى خبير ليقول، مثلاً، 'حسناً، هذا العدد من الصواريخ أصاب أراضي الإمارات. هذا هو العدد الذي يقولون إنهم اعترضوه'،" قال كارتر في مقابلة.
وقالت مزيد إن استخدام الإمارات لمصطلح "الاشتباك" بدلاً من "الاعتراض" يُدخل غموضاً متعمداً، مما يساعد على منع المحللين من تقدير عدد طائرات الاعتراض الدفاعية الجوية التي يتم استخدامها، الأمر الذي قد يكشف عن معدل استنزاف مخزون الإمارات من طائرات الاعتراض.
وأضافت: "في الوقت نفسه، فإن الحد من تداول صور الحطام أو الأضرار يخدم الأمن العملياتي وإدارة السرد على حد سواء، مما يمنع الصور المرئية للدخان والاصطدام من تشكيل التصورات العالمية عن دبي كهدف ضعيف".