بعد نحو شهر على رحيله، لا يزال اسم الدكتور محمود أحمد القيسية حاضراً في ذاكرة التربويين وكل من عاصروا البدايات الأولى لمسيرة التعليم في الإمارات. فقد مثّل الراحل نموذجاً للمعلم المؤسس الذي ارتبط اسمه بسنوات التأسيس، وأسهم في بناء الإنسان قبل المؤسسة، تاركاً إرثاً تربوياً امتد لأكثر من أربعة عقود.

لم يكن الدكتور محمود أحمد القيسية مجرد معلم أو أكاديمي، بل كان أحد الوجوه التي صاحبت انطلاق النهضة التعليمية في بلادنا منذ السنوات الأولى لقيام الاتحاد، وواحداً من الرعيل الأول من المعلمين والمربين الذين شاركوا في وضع اللبنات الأولى لمنظومة تعليمية أصبحت اليوم من بين الأكثر تطوراً على مستوى العالم.

ورحل القيسية في الثاني من يونيو الماضي، بعد رحلة طويلة مع التربية والتعليم، حظي خلالها بتقدير واسع داخل الدولة، تجسد في نعي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي استذكر مسيرته قائلاً: "كان من الرعيل الأول من المعلمين والمربين في الإمارات، وواكب نهضتها التعليمية منذ بدايتها، وعمل بكل إخلاص مع الشيخ زايد، رحمه الله، وترك بصمة بارزة في مجال التربية والتعليم في الدولة."

ويُعد هذا النعي الرسمي انعكاساً للمكانة التي احتلها الرجل في مسيرة التعليم الإماراتي، وللدور الذي أداه في مرحلة كانت الدولة تبني فيها مؤسساتها التعليمية جنباً إلى جنب مع مشروعها الوطني.

رحلة بدأت من الأردن وانتهت بإرث تربوي في الإمارات

وُلد الدكتور محمود أحمد القيسية في الأردن، وتلقى فيها تعليمه قبل أن يعمل في وزارة التربية والتعليم الأردنية، ومع بداية النهضة التعليمية في الإمارات، انتقل للعمل فيها، ليبدأ واحدة من أبرز المسيرات التربوية التي ارتبطت بتاريخ الدولة الحديث.

وبفضل كفاءته العلمية وخبرته التربوية، اختاره المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليكون مستشاراً تربوياً ومعلماً لأبنائه، وهي مهمة ظل يؤديها لأكثر من أربعين عاماً، جامعاً بين التعليم والتربية، ومشاركاً في إعداد أجيال ارتبطت بمسيرة التنمية التي شهدتها الدولة.

كما رافق الشيخ زايد في عدد من الزيارات داخل الدولة وخارجها، وظل قريباً من مشروع بناء الإنسان الذي شكّل الركيزة الأساسية لرؤية مؤسس الدولة.

من الرعيل الأول للمعلمين

يُنظر إلى الدكتور القيسية بوصفه أحد المعلمين الذين واكبوا تأسيس التعليم النظامي في الإمارات منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، وأسهم في بناء المدارس وترسيخ العملية التعليمية في أبوظبي ومنطقة الظفرة، في مرحلة كانت الإمكانات فيها محدودة، بينما كانت الطموحات كبيرة لبناء جيل يقود مستقبل الدولة.

وخلال مسيرته، لم يقتصر دوره على التدريس، بل شارك في إعداد الكوادر الوطنية، وأسهم في غرس قيم الانضباط والمسؤولية والهوية الوطنية في نفوس طلبته، وهو ما جعل كثيرين ممن عاصروه يصفونه بأنه كان "مربياً قبل أن يكون معلماً".

حضور أكاديمي وثقافي

حظي الدكتور محمود أحمد القيسية بمكانة علمية وثقافية بارزة، إذ كان حاصلاً على أكثر من درجة دكتوراه في علوم الشريعة والحديث، وأسهم في تأسيس التعليم في منطقتي أبوظبي والظفرة، ليُعد أحد الرواد الذين شاركوا في وضع اللبنات الأولى للتعليم النظامي في دولة الإمارات.

وشغل منصب أستاذ جامعي في جامعة الإمارات، كما عمل في جامعة أكسفورد لندن، إلى جانب مشاركته في مؤتمرات وندوات تربوية وعلمية داخل الدولة وخارجها، مستفيداً من خبرته الأكاديمية في خدمة قطاع التعليم، وفقا لما أوردته صحيفة "الخليج" الحكومية.

وامتدت إسهاماته إلى المجالين الثقافي والدعوي، حيث شارك مع عدد من العلماء والمعلمين في تأسيس دور لتحفيظ القرآن الكريم في أبوظبي، وأسهم في برامج إعلامية وتربوية، فضلاً عن مشاركاته مع وزارتي الإعلام والأوقاف في عدد من المبادرات الثقافية والتوعوية.

كما خلّف الراحل عدداً من المؤلفات، إلى جانب مكتبة علمية زاخرة بالكتب والمخطوطات النادرة، في امتداد لمسيرته التي جمعت بين التعليم والبحث العلمي والعمل الثقافي، ليترك إرثاً معرفياً وتربوياً ظل أثره حاضراً في المؤسسات التعليمية والأجيال التي تتلمذت على يديه.

اهتمام بثقافة الطفل (مجلة الفرسان)

ومن المحطات الأقل تداولاً في سيرته، مساهمته في إطلاق مجلة "الفرسان" الموجهة للأطفال والناشئة، والتي صدرت في أبوظبي عام 2003، واستهدفت تنمية ثقافة الأجيال الجديدة من خلال القصص والمواد المعرفية والترفيهية، في امتداد لاهتمامه الدائم ببناء شخصية الطفل وتعزيز القراءة والقيم التربوية.

إرث يتجاوز الفصول الدراسية

ويرى تربويون أن الدكتور محمود القيسية جسّد صورة المعلم المؤسس الذي لم يكتف بنقل المعرفة، بل جعل من التربية رسالة لبناء الإنسان، في وقت كانت فيه الإمارات تضع أسس مشروعها التنموي.

ويؤكدون أن الأثر الحقيقي للرجل لم يتوقف عند المدارس أو الجامعات التي عمل فيها، بل امتد إلى آلاف الطلبة الذين تلقوا العلم على يديه، وإلى الكفاءات الوطنية التي شاركت لاحقاً في مسيرة بناء الدولة.

كما أعاد رحيله تسليط الضوء على جيل المعلمين الأوائل الذين قدموا إلى الإمارات في سنوات التأسيس، وأسهموا في إنشاء المدارس وتطوير المناهج وترسيخ التعليم النظامي، قبل أن تتحول الدولة إلى نموذج عالمي في جودة التعليم والابتكار.

وبعد شهر على رحيله، يبقى الدكتور محمود أحمد القيسية واحداً من الوجوه التي صنعت بصمت مسيرة التعليم الإماراتي، ومن الشخصيات التي اقترن اسمها بمرحلة التأسيس، ليظل حضوره حياً في ذاكرة من عرفوه، وفي تاريخ التعليم الذي أسهم في بناء أحد أهم مشاريع التنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة.