يعود ملف استثناء الأمراض المزمنة والخلقية من وثائق التأمين الصحي إلى واجهة النقاش العام، باعتباره أحد أكثر القضايا الصحية حساسية وتأثيراً على استقرار الأسر وجودة الحياة، وسط تساؤلات متجددة حول التوازن المطلوب بين استدامة قطاع التأمين وضمان الحق الشامل في الرعاية الصحية.
تحت قبة المجلس الوطني الاتحادي، فتحت شيخة سعيد الكعبي، عضو المجلس، هذا الملف من زاوية إنسانية وتشريعية، مسلطة الضوء على معاناة شريحة واسعة من المرضى الذين يواجهون أعباء مالية مرتفعة أو مخاطر صحية حقيقية نتيجة استثناء أمراض مزمنة أو خلقية من التغطية التأمينية، مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والربو، إضافة إلى الحالات الخلقية التي يولد بها الإنسان.
تغطيات واستثناءات قائمة
في الرد الحكومي، أوضح عمر عبدالرحمن النعيمي، الأمين العام للمجلس، أن شركات التأمين الصحي المرخصة في الدولة توفر باقات متعددة، تشمل تغطيات أساسية إلزامية معتمدة من الهيئات الصحية في مختلف إمارات الدولة، إضافة إلى منافع اختيارية يمكن الاتفاق عليها مقابل أقساط إضافية، سواء في الوثائق الفردية أو الجماعية.
وأشار في معرض رده، إلى أن عدداً من الأمراض المزمنة بات مغطى بالفعل ضمن الباقات الأساسية المعمول بها في أبوظبي ودبي والإمارات الشمالية، ومن بينها باقة التأمين الصحي الأساسية للعاملين في القطاع الخاص والعمالة المساعدة.
غير أن الصورة تختلف عند الحديث عن الأمراض الخلقية والوراثية المزمنة، إذ لا تُعد – وفق التشريعات الحالية – من المنافع الأساسية الإلزامية، وغالباً ما تُدرج ضمن الاستثناءات، نظراً لارتفاع كلفة علاجها وتأثيرها المحتمل في أسعار وثائق التأمين.
فجوة بين النص والتطبيق
ورغم الإيضاحات التنظيمية، أكدت شيخة الكعبي أن الواقع العملي يكشف عن فجوة واضحة بين ما هو متاح نظرياً وما يواجهه المرضى فعلياً، مشيرة إلى أن ربط تغطية الأمراض المزمنة والخلقية بشروط إضافية أو أقساط مرتفعة يحول دون تحقيق العدالة الصحية، ويضع عبئاً مالياً ثقيلاً على المواطنين والمقيمين على حد سواء.
وبيّنت أن الأمراض المزمنة لم تعد حالات استثنائية أو نادرة، بل تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الصحة العامة، وتمثل أحد أبرز أسباب الإنفاق الصحي طويل الأمد، ما يجعل إدراجها في الباقة الأساسية ضرورة مجتمعية وليست خياراً تعاقدياً.
ثلاث زوايا للحل
وانطلقت الكعبي في طرحها من ثلاث زوايا رئيسية، أولها، الصحة العامة: التغطية المبكرة والمتابعة المستمرة تقلل كلفة العلاج المتأخر، وتخفف الضغط على النظام الصحي.
الاستقرار الأسري: كلفة علاج الأمراض المزمنة تفوق في كثير من الحالات متوسط دخل الأسرة، ما يهدد استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
العدالة الصحية: ترك التغطية لاجتهاد شركات التأمين أو الاتفاقات الفردية يخلق تفاوتاً واسعاً بين الفئات، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص في الحصول على الرعاية.
جودة الحياة والوقاية الأقل كلفة
ويتقاطع هذا الطرح مع توجهات الدولة في تعزيز جودة الحياة، حيث تؤكد التجارب الصحية العالمية أن الاستثمار في الوقاية والمتابعة الطبية للأمراض المزمنة أقل كلفة بكثير من التدخل العلاجي في المراحل المتأخرة أو الحالات الحرجة، فضلاً عن أثره الإيجابي في الإنتاجية والاستقرار المجتمعي.
باب الدراسة مفتوح
من جانبه، أبدى وزير دولة للشؤون المالية محمد الحسيني، استعداد الجهات المختصة لدراسة حالات محددة بشكل أعمق، بالتنسيق مع المصرف المركزي، مشيراً إلى أن عدداً من الأمراض المزمنة والخلقية مشمول بالفعل في الباقات الحالية، مع إمكانية مراجعة بعض الحالات الخاصة إذا ما توفرت بيانات تفصيلية بشأنها.
ملف مفتوح للنقاش
ويبقى ملف استثناءات التأمين الصحي مفتوحاً على نقاش أوسع، يتجاوز الأطر الفنية إلى أسئلة جوهرية تتعلق بحق الإنسان في العلاج، ودور التشريع في حماية الفئات الأكثر احتياجاً، وكيفية بناء نموذج تأميني متوازن يضمن الاستدامة المالية دون أن يكون المرض المزمن أو الخلقي سبباً للإقصاء من مظلة الرعاية الصحية.