قالت مجلة ناشيونال إنترست الأميركية إن الإمارات نجحت في ترسيخ مكانتها كقوة عظمى صاعدة في مجال الطائرات المسيّرة، مستفيدة من استثمارات مكثفة في التصنيع الدفاعي والتكنولوجيا المتقدمة، ما منحها نفوذاً يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي، وجعل من هذا القطاع أحد أبرز أدوات تأثيرها الجيوسياسي.

وأوضح محرر شؤون الأمن القومي في المجلة، براندن ج. ويكرت، في مقال رأي، أن الطائرات بدون طيار باتت السلاح الأبرز في صراعات الحاضر والمستقبل، وأن الإمارات اختارت هذا المجال كتخصص استراتيجي، فطورت منظومة صناعية متقدمة للمسيّرات جعلتها لاعباً رئيسياً في سوق السلاح العالمي.

وأشار ويكرت إلى تقرير صادر عن نشرة بريكينغ ديفينس المتخصصة في الصناعات الدفاعية، كشف أن الإمارات وقّعت اتفاقيات بنحو 400 مليون دولار لإنتاج تقنيات ومسيّرات محلية، وذلك خلال معرض ومؤتمر الأنظمة غير المأهولة في أبوظبي، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو توطين الصناعة العسكرية وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

وبيّن أن الشراكات الإماراتية مع شركات دفاع أميركية لا تقتصر على نقل التكنولوجيا، بل تركز على تطوير هياكل طائرات متقدمة، وأجهزة استشعار، وبرمجيات ذكاء اصطناعي، ودمج الذخائر، مع أولوية واضحة للتصنيع المحلي، بهدف تحويل الدولة إلى مركز عالمي لتصميم وتجميع وتكامل الطائرات المسيّرة، على غرار التجربة التركية مع مسيّرات بايكار.

في السياق ذاته، لفت كاتب المقال إلى أن السودان تحوّل خلال الحرب الأهلية الجارية إلى واحد من أكثر ساحات القتال كثافة باستخدام الطائرات المسيّرة، موضحاً أن تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته قناة الجزيرة، وثّقت انتشار مسيّرات إماراتية الصنع في ميدان المعركة، واستخدام الصراع فعلياً كساحة اختبار للأنظمة المتطورة.

وأوضح أن أبوظبي قدمت دعماً لقوات الدعم السريع، ما أسهم في تحقيق مكاسب ميدانية لهذه القوات، رغم ما سببه ذلك من توترات إقليمية، لا سيما مع السعودية ومصر، اللتين اتخذتا مواقف مختلفة حيال الصراع السوداني.

وأشار إلى أن أكثر من ألف ضربة بطائرات مسيّرة نُفذت في السودان منذ عام 2023، مع اعتماد طرفي النزاع بشكل واسع على هذا النوع من السلاح.

وأكد ويكرت أن الاستخدام المكثف للمسيّرات فاقم الأزمة الإنسانية في السودان، حيث طالت الضربات منشآت حيوية مثل محطات الطاقة والمستشفيات ومرافق المياه، ما عمّق معاناة السكان.

وأضاف أن أبوظبي خففت في الفترة الأخيرة من انخراطها المباشر في الصراع نتيجة ضغوط دولية، إلا أن التجربة السودانية شكلت دليلاً عملياً على فاعلية المسيّرات الإماراتية، وأسهمت في زيادة الطلب العالمي عليها، وهو ما يمنح اتفاقيات التطوير الأخيرة مع الولايات المتحدة أهمية استراتيجية لدعم الإنتاج الضخم والتصدير.

وأشار المقال إلى أن الصراع في السودان بات نموذجاً لحرب وكالة معقدة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية، من بينها دول خليجية وتركيا ومصر وروسيا والصين، في ظل تنافس متزايد على سوق المسيّرات، حيث برزت الإمارات كمنافس مباشر للصناعات التركية والصينية.

وخلصت ناشيونال إنترست إلى أن أبوظبي تقود ملامح اقتصاد الحروب الجديد في الشرق الأوسط عبر التركيز على التصنيع المحلي للمسيّرات، ودمجها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، واختبارها في صراعات الوكالة، ما يعزز موقعها كلاعب محوري في مستقبل الحروب الحديثة.