تواجه المنطقة منعطفاً جيوسياسياً هو الأخطر منذ عقود، حيث تجد دولة الإمارات نفسها في قلب المواجهة المباشرة مع التصعيد الإيراني المستمر منذ أواخر فبراير الماضي. وفي ظل تحملها العبء الأكبر من الضربات الانتقامية الإيرانية في الخليج العربي، بدأت ملامح تحول استراتيجي جذري تتبلور في أروقة صنع القرار في أبوظبي ويظهر في الخطاب الدبلوماسي، متجاوزةً سياسة "ضبط النفس" التقليدية نحو تبني خيارات أكثر حزماً، بما في ذلك التلويح بالانخراط في الجهد العسكري الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة وحماية بنيتها التحتية الحيوية.
وأكدت الإمارات باستمرار أنها تحتفظ بحق الرد، وقد تشن ضربات انتقامية ضد إيران إذا واصلت طهران استهداف بنيتها التحتية الاستراتيجية، وبالأخص منشآت الطاقة. بالمقابل استمرت إيران في عدوانها على الدولة وتهديداتها العلنية بتكثيف الهجمات.
ففي الأسابيع الأربعة الماضية، أطلقت إيران أكثر من 2200 صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الإمارات، وهو عدد يفوق أي دولة أخرى. ومع ذلك، تمكنت أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية من اعتراض أكثر من 92% من هذه الهجمات. وقد بدأ صبر الإمارات ينفد، وألمحت إلى احتمال انضمامها إلى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال.
وتشير التقارير إلى أن التكهنات بشأن انخراط الإمارات بشكل نشط في الحرب ضد إيران قد اكتسبت زخماً منذ أن أصبح تهديد الغزو البري الأمريكي لإيران احتمالاً واقعياً؛ وحشدت الولايات المتحدة آلاف الجنود وحاملات الطائرات ووحدات المظليين إلى المنطقة في مسعى الهجوم البري المحتمل لانتزاع السيطرة على مضيق هرمز من إيران، وقد تحاول القوات الخاصة الأمريكية الاستيلاء على جزر إيرانية استراتيجية تقع على طول الممر المائي لتأمينه.

تصاعد الدخان من مركز دبي المالي جراء استهدافه بطائرة مسيرة إيرانية
هل تستخدم الأراضي الإماراتية لشن هجوم بري على إيران؟
صرح مسؤولون إيرانيون بأن تقاريرهم الاستخباراتية تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تشن هجوماً برياً من الإمارات، حيث تعتقد طهران أن القوات الإماراتية ستشن هجوماً برياً يمهد الطريق لدخول القوات الأمريكية إلى الأراضي الإيرانية.
وفي غضون ذلك، وبينما تجري مفاوضات عبر قنوات خلفية بين طهران وواشنطن لحل الصراع المستعر، دعت الإمارات في الأيام الأخيرة إلى توجيه ضربة لإيران؛ حيث نقل السفير الإماراتي لدى واشنطن يوسف العتيبة موقف الدولة، مؤكداً أن مجرد وقف إطلاق النار في إيران لن يكون كافياً، بل يجب التركيز على تحقيق "نتيجة حاسمة" لضمان السلام في المنطقة: "لا يمكننا السماح لإيران باحتجاز الولايات المتحدة والإمارات والاقتصاد العالمي رهائن لديها، فمجرد وقف بسيط لإطلاق النار لا يكفي".
وبشكل رسمي، يرفض المسؤولون تأكيد أو نفي إمكانية الدخول في حرب مباشرة مع إيران، التي تحتل ثلاث جزر إماراتية منذ 1971م. وفي الوقت ذاته يضغطون من أجل قوة دولية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة؛ وهو أمر ترفضه إيران التي تهدد بإغلاق المضيق بالكامل وتوسيع دائرة الحرب والأهداف.
وحول الدخول في الحرب مع الأمريكيين ضد إيران قالت ريم الهاشمي وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، في مقابلة مع تلفزيون سكاي نيوز الإنجليزية: "بما أن هذه الهجمات مستمرة -وإن كانت وتيرتها قد انخفضت عما كانت عليه في البداية- فإن كل الخيارات تظل مطروحة على الطاولة حتى يتوقف هذا العدوان تماماً."
وأضافت: "الإمارات حافظت دائماً على نهج مدروس للغاية واتسم بضبط النفس، لكنه في الوقت ذاته نهج لا يجب أن يسمح للدولة بأن تظل ضحية لهجمات مستمرة وممنهجة".
وفي ما يخص احتمالات الانخراط العسكري المباشر بقوات إماراتية، قالت لانا نسيبة وزيرة الدولة بوضوح: "نحن منخرطون في الحرب بالفعل؛ فنحن نتلقى الهجمات وقواتنا في حالة اشتباك دفاعي مستمر لحماية أراضينا".
وألمحت نسيبة، في مقابلتها مع تلفزيون فوكس نيوز الأمريكي، إلى إمكانية الانخراط مع القوات الأمريكية في الهجمات، وقالت "إن لدولة الإمارات تاريخاً طويلاً من العمل العسكري المشترك مع الولايات المتحدة، حيث قاتلنا جنباً إلى جنب في أكثر من ستة تحالفات دولية، ولدينا قدرة عالية على العمل البيني المشترك مع القوات الأمريكية، ونحن نعتزم مضاعفة هذا التعاون في ظل التهديد الراهن الذي يستهدف الجميع دون استثناء".
ماذا يصنع وفد أبوظبي في واشنطن؟
وتتواجد لانا نسيبة ضمن وفد رسمي إماراتي في واشنطن منذ الأسبوع الماضي لإجراء مباحثات مع المسؤولين الأمريكيين، وهو تحرك منفرد خارج مجلس التعاون الخليجي.
وتتمثل وجهة نظر الإمارات التي تعرضها على إدارة ترامب على أن الحرب مع إيران يجب ألا تنتهي دون تأمين مضيق هرمز، وأن وقف إطلاق النار، إلى جانب فرض قيود على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، لن يكون كافياً لتجنب اندلاع الصراع القادم. ويجري نقل هذه الرسالة عبر كبار المسؤولين؛ حيث التقى سلطان أحمد الجابر، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لمجموعة "أدنوك"، بجي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، الأسبوع الماضي.
وقالت لانا نسيبة، في مقابلة مع تلفزيون (ام اس ناو) الأمريكي إن أبوظبي تعمل على وضع مضيق هرمز تحت المظلة الدولية. وقالت إن "الإمارات تعمل حالياً مع شركاء مثل البحرين والولايات المتحدة داخل مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار تحت "الفصل السابع" يضع مضيق هرمز تحت مظلة دولية لضمان بقائه مفتوحاً".

نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس يستقبل وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة سلطان الجابر - 25 مارس 2026
رؤية الإمارات للحل النهائي
وعن رؤية الإمارات لنهاية النزاع وما تصفه بـ "الحل الحاسم" للملف الإيراني، صرحت نسيبة: "ما نعتقد أنه يجب أن يحدث اليوم، وما ندفعه بقوة، هو ضرورة إيجاد حل نهائي وشامل وحاسم يضمن تحول إيران إلى جار سلمي ومسؤول في هذه المنطقة. إن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب 'صلابة وعزيمة'، وربما يتطلب مشاركة أوسع في الأعباء مع الشركاء الدوليين، ونحن ملتزمون بتحقيق هذا المآل".
وقالت: "لا يمكننا القبول بأنصاف الحلول التي تترك المنطقة رهينة لبرنامج صواريخ بالستية يهدد العواصم الأوروبية، أو طموحات نووية باتت تهدد الأمن العالمي بشكل مباشر".
من جانبه دعا الأكاديمي والباحث السياسي عبدالخالق عبدالله، الرئيس الأمريكي إلى "إنهاء المهمة" والقضاء على النظام الإيراني الحالي بالكامل، محذراً من أن بقاء هذا النظام سيجعله أكثر شراسة وعدوانية وتهديداً للولايات المتحدة والمنطقة والعالم بأسره.
وفي معرض تقييمه لنتائج العمليات العسكرية، أوضح عبدالله أنه إذا توقفت الحرب واقتصرت نتائجها على إضعاف القوة العسكرية الإيرانية لسنوات أو عقود قادمة، فإن ذلك يُعد إنجازاً عسكريا. ومع ذلك، أشار إلى أن التساؤل الأكبر يكمن في الشق السياسي ومستقبل النظام، موضحاً أن "السيناريو الكابوس" هو استمرار النظام الحالي بنهج أسوأ، بينما يتمثل "السيناريو المشرق" في بروز نظام أكثر انفتاحاً واعتدالاً.

حريق في مطار دبي جراء استهدافه بطائرة مسيرة إيرانية - 16 مارس 2026
مقامرة استراتيجية
تشير التحولات الأخيرة في الخطاب السياسي الإماراتي إلى "إعادة صياغة" جذرية للأمن الوطني والخليجي، حيث تبدو أبوظبي تغادر مربع "الحياد الحذر" -الذي استخدمته تجاه إيران منذ عقود- لتتبنى مساراً أكثر حدة؛ مدفوعاً بهجمات متتالية وضغوط ميدانية متسارعة، وضعت صانع القرار أمام خيارات معقدة ومفتوحة، في ظل تزايد الحضور العسكري الأمريكي الساعي إلى تغيير قواعد اللعبة في مضيق هرمز، غير أن هذا الاندفاع نحو "الحل الحاسم" والمطالبة بوضع الممر المائي تحت المظلة الدولية بموجب "الفصل السابع" لا يخلو من مقامرة استراتيجية قد تمس استقرار النموذج الاقتصادي الإماراتي، إذ يمثل تحدياً مباشراً لطهران وتصعيداً يصعب التنبؤ بمدى اتساعه، وهو ما يضع الرهان الإماراتي على "التوافق العملياتي" مع واشنطن في اختبار حقيقي لقياس القدرة على تحقيق نتائج نهائية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف تعيد رسم خارطة الخليج.
وفي نهاية المطاف، تجد الإمارات نفسها اليوم أمام مخاض عسير يوازن بين طموح القوة والالتزام بكونها مركزاً مالياً عالمياً، حيث تشي تحركاتها المنفردة خارج الأطر الجماعية الخليجية التقليدية بأن الخيار العسكري وتكتيكات "الغزو البري" أو الضربات المنسقة لم تعد مجرد أوراق ضغط دبلوماسية، بل تحولت إلى سيناريوهات واقعية تضع المنطقة بين خيارين: إما ولادة نظام إقليمي جديد بملامح "مشرقة"، أو الانفجار في صراع شامل قد يغير وجه الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة، وهو ما تأمل "إسرائيل" أن تحققه من خلال هذه الحرب التي باتت تشمل معظم خارطة الشرق الأوسط.