في المياه الضيقة قبالة مسندم، لم تعد الخرائط البحرية مجرد أدوات ملاحة؛ بل صارت كل إحداثية بنداً سياسياً، وكل ناقلة تعبر اختباراً لميزان القوة بين إيران والولايات المتحدة. قبل الحرب، كان المضيق يحمل نحو خمس استهلاك العالم من النفط، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وبعد خمسة أشهر من القتال، أحصت المنظمة البحرية الدولية 64 حادثاً مؤكداً في الممرات الإقليمية حتى 4 أغسطس، قُتل فيها 17 بحاراً.
هذا هو المشهد الذي دفع طهران ومسقط إلى تبادل الخرائط، ودفع واشنطن إلى الحديث عن اتفاق "قريب جداً"، بينما تنفي إيران أنها تتفاوض مباشرة مع الأميركيين. وبين الروايتين، ينقل الوسطاء القطريون والباكستانيون والعُمانيون مسودات ومقترحات، وتضغط الرياض على الجميع كي لا يتحول التعثر الفني في خط ملاحي إلى جولة إقليمية جديدة.
وسط هذا الحراك، بقيت الإمارات خارج غرفة الصياغة. لم يصدر قرار معلن باستبعادها، كما أنها ربما ظلت حاضرة في المشاورات الخليجية والحسابات الأميركية، لكن اسمها غاب عن الدائرة التي تتبادل المسودات وتحدد الإحداثيات: عُمان وقطر وباكستان، بدعم وضغط سعودي. ويعكس هذا الغياب تحولاً في موازين الدبلوماسية الخليجية خاصة منذ التطبيع الإماراتي/الإسرائيلي والحديث عن لقاءات أمنية سرية ضد إيران وسط الحرب الأخيرة؛ وهو ما قلّص قدرتها على أداء دور يقبله الإيرانيون والخليجيون في المفاوضات.
جوهر الصفقة بسيط في ظاهره ومعقد في نتائجه: تريد الولايات المتحدة استعادة حرية الملاحة بلا إذن ولا رسم، وتريد إيران أن تعترف الحرب بما لم يعترف به النظام السابق للمضيق (أن لطهران كلمة عملية فيمن يدخل الخليج وكيف يعبره)، لذلك لا يدور التفاوض على فتح بوابة فحسب، بل على من يملك المفتاح بعد فتحها.

ما الذي يجري إعداده فعلياً؟
يتخذ التفاوض بشأن مضيق هرمز مسارين متداخلين؛ الأول تقني وسيادي بين إيران وعُمان لإقامة ممر مؤقت للسفن، والثاني سياسي عبر تنسيق غير مباشر بين واشنطن وطهران بوساطة عُمان وقطر وباكستان. وتتضمن المسودة الحالية ترتيباً مؤقتاً لمدة 60 يوماً قابلاً للتمديد، تدخل خلاله السفن عبر المسار الأقرب إلى إيران وتخرج عبر الجانب العُماني، مع بدء إزالة الألغام من ممر أوسط خلال نحو 30 يوماً، وتأجيل التسوية الدائمة لنظام المرور والإدارة والرسوم إلى مفاوضات لاحقة.
وتبقى الرسوم نقطة خلاف رئيسية؛ فبينما تتحدث تقارير عن عدم فرضها خلال الفترة المؤقتة، تطمح إيران في الترتيب الدائم إلى رسوم خدمات بين 5 و7% من قيمة البضائع، مقابل نحو 3% تقترحها مسقط وصفر رسوم تطالب به واشنطن. وبالنسبة إلى طهران، قد تحول هذه الرسوم السيطرة العسكرية إلى مؤسسة دائمة، بينما تخشى واشنطن ودول الخليج أن تحول حق المرور الدولي إلى امتياز تمنحه إيران.
وترى ناعومي ريدان، الباحثة في معهد واشنطن، أن طهران تريد دوراً محورياً في صياغة النظام المستقبلي للمضيق، فيما يرى آرتا نعيمي أن أهمية هرمز تتجاوز النفط إلى السيادة والجغرافيا والردع. سياسياً، تربط واشنطن فتح المضيق بوقف الهجمات والعودة للمفاوضات النووية، بينما تطالب طهران برفع الحصار والسماح بصادراتها النفطية وضمانات تمنع استئناف الضربات، وسط خلاف حول ترتيب تنفيذ الالتزامات.
الرياض: وسيط من خارج الطاولة
لا تحمل السعودية صفة الوسيط الرسمي مثل باكستان أو قطر، ولا ترسم الممرات مثل عُمان، لكنها تملك اتصالاً مباشراً ومؤثراً بالرئيس الأميركي، وثقلاً عربياً ومصلحة أمنية واقتصادية في منع الحرب من التصعيد. وفي 2 أغسطس، شدد ولي العهد محمد بن سلمان، خلال اتصال بترامب، على أولوية الحوار وضرورة التهدئة، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي وقف ضربة كان قد توعد بها، رابطاً ذلك بإمكان التوصل إلى اتفاق سريع. كما استقبلت الرياض رئيس الوزراء الباكستاني في أبريل، ورحبت لاحقاً بالمذكرة الأميركية–الإيرانية ووساطة باكستان وقطر، فيما تزامنت زيارة شهباز شريف الأخيرة للمملكة مع اقتراب مسودة هرمز من الحسم.
واكتسب الدور السعودي بعداً أمنياً جديداً بتوقيع محمد بن سلمان ورجب طيب أردوغان وشهباز شريف "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، الذي ينص على اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الثلاثة. وبينما أكدت أنقرة أن الاتفاق دفاعي وغير موجه ضد إيران، فإنه يعزز موقع الرياض داخل شبكة أمنية عربية–إسلامية، في مقابل ظهور أبوظبي خارج هذا الإطار، معتمدة بدرجة أكبر على شراكتها مع واشنطن وتل أبيب. ويعكس ذلك تبايناً سعودياً–إماراتياً في شكل التحالفات الخليجية بعد الحرب.
كما مارست الرياض ضغطاً على مسقط لقبول الترتيب المؤقت، خشية أن يؤدي التصعيد إلى استهداف منشآت الخليج وطرق البحر الأحمر. لذلك تبدو استراتيجيتها قائمة على مقايضة غير مريحة: قبول نفوذ إيراني محدود في هرمز مقابل تجنب ضربة أميركية واسعة قد تدفع طهران ووكلاءها لاستهداف النفط والموانئ والبنية التحتية. فالهدف السعودي ليس تحقيق انتصار على إيران، بل منع الجميع من خسارة أكبر.

قادة السعودية وتركيا وباكستان خلال التوقيع على "اتفاق مكة" - 5 أغسطس 2026
لماذا بقيت أبوظبي خارج اللعبة؟
تظهر أسماء عُمان وقطر وباكستان في مسار الوساطة الفعلي؛ ويظهر اسم السعودية في الترتيبات الإقليمية الأوسع، بينما يختفي اسم الإمارات من الفريق الذي ينقل المسودات أو يتفاوض على الإحداثيات. هذا الغياب مهم، لكنه لا يثبت وجود "فيتو" سعودي أو أميركي معلن ضد أبوظبي. بل يعكس وظيفة الوساطة نفسها: يحتاج الوسيط إلى قبول طهران، وإلى هامش يفصله عن الخيار العسكري؛ وهو ما فقدت الإمارات جانبا منه في الأشهر الأولى من الحرب.
في أبريل، أفادت تقارير في وول ستريت جورنال، ونقلتها رويترز ووسائل أخرى، بأن أبوظبي دفعت نحو عملية دولية لفتح هرمز بالقوة، وأبدت استعداداً للمساهمة العسكرية، وطرحت حتى استعادة الجزر الإماراتية المحتلة. نفت أبوظبي أنها تمارس الضغط بالصورة الواردة في التقرير، لكنها لم تُخف تمسكها الصارم بحرية الملاحة ورفض تحويل المضيق إلى ورقة سيادية إيرانية. هذا الموقف جعل الإمارات صاحبة مصلحة رئيسية وصوتاً نافذاً لدى واشنطن، لكنه جعلها أقل قابلية لأن تكون ناقل رسائل محايداً إلى طهران.
كما أن التباعد السعودي–الإماراتي حول السياسات الإقليمية صار جزءاً من الوضع الحالي، إذ ترى الرياض في تحالف أبوظبي المبالغ فيه مع تل أبيب مصدر تهديد لشبه الجزيرة العربية. ورأى محللون في تشاتام هاوس أن أبوظبي اتخذت خطاً أكثر تشدداً وأقرب إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بينما مالت الرياض إلى منع التصعيد خشية استهداف منشآتها وامتداد الحرب إلى اليمن والبحر الأحمر.
وقال الباحث نيل كوليام في معهد تشاتام هاوس: "باتت السعودية تنظر إلى إسرائيل وأفعالها كتهديد للأمن الإقليمي، ولذا فهي تنظر إلى تحالف الإمارات معها نظرة سلبية. ونتيجة لذلك، أصبح موقف أبوظبي مصدر إحباط متزايد للرياض".
من ناحية أخرى قالت ليزلي بالتي-غوزمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن إيران تحاول دفع دول الخليج إلى استجابات ومفاوضات ثنائية بدلاً من تشكيل موقف إقليمي موحد، فيما برزت عُمان وقطر بوصفهما الأكثر ميلاً إلى الحوار. وهذا يفسر لماذا انتقلت الصياغة إلى مسقط والدوحة وإسلام آباد، لا إلى عاصمة خليجية موحدة.

جناح شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في معرض آيدكس الدفاعي بأبوظبي - فبراير 2025
هدنة للممر، لا نهاية للحرب
إذا وُقع الترتيب الجديد ستبدأ الناقلات في الحركة وينخفض سعر النفط وتتراجع الضربات. لكن الاتفاق سيظل أقرب إلى جسر ضيق فوق حرب مفتوحة منه إلى تسوية نهائية؛ فهو يؤجل الخلاف على السيادة والرسوم، ويرحّل البرنامج النووي إلى المرحلة الثانية، ويترك أمن الخليج موزعاً بين ضمانات أميركية لم تعد مطلقة ووسطاء لا يملكون قوة إنفاذ.
ولعل أكثر ما يكشفه هرمز هو أن مركز السياسة الخليجية لم يعد مجلساً واحداً ولا موقفاً موحداً: مسقط تملك الجغرافيا، الدوحة وإسلام آباد تملكان القنوات، الرياض تملك القدرة على كبح واشنطن، وأبوظبي تتلقى فقط اتصالات مجاملة من الولايات المتحدة بلا مقعد أو تأثير يحمي مصالحها واقتصادها الذي تعرض لواحدة من أعنف الصدمات في تاريخها الحديث.
وفي هذا التوزيع الجديد للأدوار، قد يفتح الممر قبل أن تُحسم الحرب، لكن الطريقة التي سيفتح بها ستحدد من يكتب قواعد الخليج بعد الحرب، فهل تملك أبوظبي إمكانية انتزاع مقعد، أم تستمر في طريق عزل نفسها عن محيطها وعالمها العربي؟