أصبحت دقة أنظمة تحديد المواقع العالمي (GPS) ركيزة أساسية في الحياة المعاصرة، إلا أن تداعيات الحرب مع إيران جعلت سكان دولة الإمارات يواجهون واقعاً غريباً؛ حيث تظهر هواتفهم أنهم في عرض البحر أو في مدن تبعد مئات الكيلومترات عن مواقعهم الحقيقية.
ويعزو الخبراء هذا الخلل إلى عمليات "التشويش" (Jamming) و"التزييف" (Spoofing) المستخدمة كتكتيكات دفاعية ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، لكن الأمر لا يقتصر على تضليل المقذوفات المعادية فحسب، بل طال مستخدمي الطريق في الإمارات، حسب ما أفادت وكالة الأنباء الفرنسية.
تقول "هند"، وهي مقيمة فرنسية في دبي اكتفت بذكر اسمها الأول: "كنت أستخدم الخرائط أثناء القيادة إلى أن بدأت توجهني نحو طرق غريبة"، مما اضطرها للعودة إلى الطريق الرئيسي و"الاعتماد على اللوحات الإرشادية لمعرفة وجهتها".
وعلى الرغم من الإزعاج الذي تسببه هذه الأعطال، إلا أن المعلومات الغريبة التي تقدمها خدمات الملاحة — مثل ظهور سائقي التوصيل وهم "يطفون" وسط الخليج — تحولت إلى مادة للتندر على وسائل التواصل الاجتماعي.
ويؤكد "أندرو"، وهو سائق توصيل في دبي من أصول أوغندية، أن هذه المشكلة باتت تتكرر باستمرار، قائلاً: "على سبيل المثال، عملية توصيل كانت تستغرق من 10 إلى 15 دقيقة، أصبحت تستغرق 30 دقيقة؛ إذ يحدد نظام الـ GPS الاتجاه ثم يتجمد فجأة. أحاول التحرك، لكنه يستمر في إعادة توجيهي بشكل متكرر حتى أصل أخيراً".
وقد تعرضت منطقة الخليج لمئات الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط أواخر الشهر الماضي، والتي بدأت بشنها الولايات المتحدة و"إسرائيل". وتذكر الإمارات وحدها أنها استُهدفت بأكثر من 270 صاروخاً و1500 طائرة مسيرة، وهو رقم يتجاوز أياً من جيرانها.
إجراءات أمنية
من جانبه، أوضح كلايتون سويب، خبير الأمن الفضائي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن هذا الاضطراب "ربما يكون استجابة لإحباط الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية" التي قد تعتمد على نظام الـ GPS للوصول إلى أهدافها.
وأشار إلى وجود خيارين مستخدمين: "التشويش" الذي يجعل من الصعب استقبال إشارة الـ GPS، و"التزييف" حيث يقوم طرف ما ببث إشارة كاذبة تظهر موقعاً غير صحيح، مما يؤدي إلى تضليل الذخائر الموجهة بنظام تحديد المواقع.
وتعد أنظمة الـ GPS وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية الأخرى أنظمة "سلبية"، بمعنى أنها تعمل من خلال استقبال إشارات التوقيت من أقمار صناعية متعددة تدور حول الأرض لحساب الموقع. ومع ذلك، فإن هذه الإشارات ضعيفة، مما يجعل حجبها عبر إشارات محلية أقوى أمراً بسيطاً نسبياً.
وقالت ليزا داير، مديرة تحالف ابتكار نظام تحديد المواقع العالمي (GPSIA)، إن ما يعرف بـ "الحرب الإلكترونية" (EW) لها تاريخ يعود إلى الحرب العالمية الثانية. وأضافت أن أسباب استخدام الحرب الإلكترونية تتجاوز الحماية من الهجمات الوشيكة، إذ يمكن أن توفر "مزايا استراتيجية وتكتيكية"، لكنها حذرت في الوقت ذاته من أن "المخاطر التي تهدد الطيران والشحن والبنى التحتية الأخرى في المنطقة كبيرة".
ومع ذلك، ونظراً للتكلفة الباهظة التي قد تنجم عن ضربة ناجحة بطائرة مسيرة أو صاروخ، يرى صانعو القرار في دول الخليج أن هذه المخاطر تستحق المجازفة.
وفي المقابل، تمتلك إيران جهودها الخاصة في مجال الحرب الإلكترونية، حيث حددت عدة مواقع استخباراتية مفتوحة المصدر "مصادر الحرب الإلكترونية الإيرانية ومواقعها"، بحسب داير.
وليست منطقة الشرق الأوسط غريبة على هذه التأثيرات؛ فقد تأثرت إشارات الـ GPS في مناطق بعيدة مثل قبرص بعمليات التزييف والتشويش خلال حرب غزة وصراعات أخرى مؤخراً.
ومنذ بداية الحرب الحالية، وجد ما يصل إلى ألف سفينة في بحر عمان أنفسها "عمياء" بسبب التشويش على الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وفقاً لديمتريس أمباتزيديس، المحلل في شركة "كبلر" (Kpler) المعنية بمراقبة الحركات البحرية. وأوضح أن هذا يعني تأثر نصف السفن المتواجدة في المنطقة، حيث يقع الغالبية العظمى من المتضررين قبالة سواحل الإمارات وسلطنة عمان.
تعطيل مؤقت
وصرح محمد حنيف، رئيس التحول الرقمي في مختبر مركز محمد بن راشد للفضاء (MBRSC)، لصحيفة "خليج تايمز" الإماراتية الناطقة بالإنجليزية، بأن اضطرابات الـ GPS المؤقتة قد تحدث أحياناً خلال فترات الصراعات نتيجة لإجراءات مرتبطة بالأمن تؤثر في إشارات الأقمار الصناعية التي تعتمد عليها أنظمة الملاحة.
وقال حنيف: "خلال أوقات التوتر الإقليمي، قد تلجأ السلطات إلى تنفيذ تدابير أمنية لحماية المواقع الحساسة. هذه التدابير قد تؤثر أحياناً في إشارات الـ GPS التي تعتمد عليها تطبيقات مثل جوجل مابس، مما يؤدي إلى حدوث أخطاء مؤقتة في تحديد الموقع أو اقتراح مسارات غير معتادة".
وأوضح حنيف أن بعض التقنيات التي تستخدمها الوكالات الأمنية، مثل "التشويش" (GPS jamming) أو "التزييف" (GPS spoofing)، قد تؤثر في كيفية استقبال الأجهزة لإشارات الملاحة.
وأضاف: "يتضمن التشويش حجب الإشارات، بينما يقوم التزييف بإرسال إشارات كاذبة إلى الأجهزة. وبما أن تطبيقات الملاحة المدنية تعتمد على إشارات الأقمار الصناعية ذاتها، فإن هذه الإجراءات قد تتسبب أحياناً في ظهور مواقع غير دقيقة أو مسارات غير متوقعة على التطبيقات".
وأشار إلى أن أبسط الاضطرابات في إشارات الأقمار الصناعية قد تؤدي أحياناً إلى إظهار الهواتف لمواقع خاطئة لفترات وجيزة، قائلاً: "التداخلات الطفيفة قد تؤدي إلى إظهار تطبيق الملاحة لموقع خاطئ لفترة قصيرة، وفي معظم الحالات، يقوم النظام بتصحيح نفسه بسرعة بمجرد استقرار الإشارة".
وأكد حنيف أن تطبيقات الملاحة تظل موثوقة إلى حد كبير وأن مثل هذه الحوادث عادة ما تكون مؤقتة، موضحاً: "تمتلك تطبيقات مثل جوجل مابس أنظمة أمان قوية وتعمل بشكل طبيعي في الغالب. وفي معظم الأحيان، ترتبط الاضطرابات بتداخل الإشارات أو الإجراءات الأمنية أكثر من كونها هجمات سيبرانية".