استشراف المستقبل العربي على المحك

الكـاتب : علي محمد فخرو
عدد المشاهدات: 751
تاريخ الخبر: 08-02-2019

استشراف المستقبل العربي على المحك | القدس العربي

بعد كل حدث في بلاد العرب ينبري المعلقون والمحاورون من رجالات ونساء الإعلام العربي، المرئي والمسموع، لاستدعاء من يسمونهم بالأخصائيين والمحللين والمفكرين في شتى حقول الاختصاص، والطلب منهم بثقة واطمئنان لاستشراف مستقبل هذا الحدث، والقوى التي تصنعه، أو مجتمع ذلك الحدث والدولة التي تواجهه.
ولكثرة تكالب المحن والإحن على أمة العرب في السنين الأخيرة، وعلى الأخص منذ انفجار الحراكات والثورات الشعبية في العديد من أقطار الوطن العربي، أصبحت أسئلة استشراف المستقبل شبه يومية وبأساليب روتينيه مملة، وأحيانا مضحكة.
والأغرب من الأسئلة التي تطرح هي الإجابات الواثقة القطعية، المليئة بالإدعاء العلمي والنزاهة والموضوعية. ويشعر الإنسان أحيانا بأننا في صف مدرسي روتيني، حيث الأستاذ يحاضر ويلقن والتلامذة يستمعون ولا يتساءلون. ولكن هل موضوع استشراف المستقبل، بالنسبة للبشر والاجتماع الإنساني وسيرورة التاريخ، هو بهذه البساطة؟ هل حقا أنه محكوم بالحتمية التي تميز العلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء على سبيل المثال؟ لو كان الأمر كذلك فلماذا، إذن، فشل أخصائيو ومحللو ومفكرو الاقتصاد، عبر العالم كله، والمرة تلو المرة، بالتنبؤ بحتمية حدوث الأزمات المالية والاقتصادية الحادة التي اجتاحت العالم، وأحيانا بعض الدول، إبان الخمسين سنة الماضية؟ ولماذا فشل أمثالهم في حقل الفكر السياسي في التنبؤ بالكثير من الأحداث والأزمات والمفاجآت السياسية التي اجتاحت العالم في السنين الأخيرة، بما فيها أحداث ما يوصف بالربيع العربي؟
الجواب، الذي لا يوضح بما فيه الكفاية، ولا ينشر بين الناس بما فيه الكفاية، هو أن استشراف المستقبل، مثله مثل ما يعرف بعلم الاقتصاد أو علم السياسة، والكثير من العلوم الإجتماعية المتعددة الأسماء، لايزال مليئا بعدم التأكد واللايقينية، وبالخيال العلمي الطوباوي، وبالتأثر الشديد بالعوامل الذاتية والأيديولوجية لدى الاستشرافيين، وبالتفسيرات المتناقضة المماثلة للتفسيرات التاريخية أو الفقهية على سبيل المثال. كل ذلك يدعونا إلى تنبيه شباب الأمة إلى أن يكونوا حذرين إلى أبعد الحدود، عندما يستمعون إلى أشكال من استشرافيي المستقبل، وهم يوحون للمشاهد والمستمع بأنهم يعتمدون على أسس ونظريات مجربة وناجحة. ذلك أن الكثير من هؤلاء من اليائسين والمحبطين، وبعضهم من الخادمين لأجندات سياسية وأمنية مشبوهة، سواء على مستوى الداخل أو مستوى الخارج.

نبين ذلك بعد أن أصبح استشراف المستقبل موضة منتشرة على مستوى الشركات والحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، وبدأ من لا يمارسها يشعر بعقد النقص وانه خارج هذا العصر وأنه متخلف، بل أكثر من ذلك، بدأت أصوات تنادي بأحداث قطيعة بين المستقبل والماضي والحاضر، باعتبار أن الماضي مات، وأن الحاضر في طريقه إلى الموت، بينما المنطق والتاريخ يشيران إلى أن الماضي والحاضر والمستقبل هي حلقات في سيرورة واحدة تؤثر في بعضها بعضا، وتتفاعل مع بعضها بعضا.

 لسنا بالطبع في وارد التقليل من أهمية موضوع ومحاولات استشراف المستقبل، خصوصا أننا ننتمي إلى مجتمعات عربية مازال الماضي يأخذ بخناقها ويساهم في خلق أزماتها. إنما نريد تنبيه شباب الأمة، وهم إمكانيات وهدير المستقبل، بأن أغلب سيناريوهات المستقبل هي عبارة عن تصورات وعمليات أكاديمية للإخبار عن البدائل الممكنة. أما المستقبل فتقرره إرادة الحاضر، الإرادة التي ترسم ملامح المستقبل وتناضل بعزيمة وتضحيات لجعل تلك الملامح واقعا في ذلك المستقبل.
إذا ثبت شباب وشابات الأمة على خلق تلك الإرادة وجعلوها فاعلة في حياتهم اليومية، بدون تعب ولا ملل، فإن ثرثرات استشراف المستقبل، خصوصا من قبل الذين يتكلمون وكأنهم يملكون وحدهم الحقيقة، وأنهم يعرفون دخائل وإمكانيات وأحلام جماهير أمتهم، يجب أن تخضع لتلك الإرادة، لا أن تعيقها أو تحرفها عن أهدافها الوطنية والقومية والإنسانية الكبرى.
جميع ما يقوله الخبراء والمعلقون والمحللون، المجتهدون منهم والانتهازيون الكاذبون اللاطمون، على شاشات التلفزيونات العربية، أو من خلال الوسائل السمعية، جميعه يجب أن يعرض على حاكمية وأهداف وأخلاقية وقيم إرادة صنع المستقبل، عند أجيال المستقبل، فإن توافقت الأقوال مع تلك الإرادة فبها، وإلا فإن كل ما يقوله البعض أو يدعيه ليس أكثر من ثرثرة يجب أن تدخل من أذن لتخرج من الأذن الأخرى.

عدد المشاهدات: 751
تاريخ الخبر: 08-02-2019

مواضيع ذات صلة