كشفت صحيفة "التلغراف" البريطانية أن التوتر الذي برز أخيراً بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسلطنة عُمان قد يفضي، بصورة غير مباشرة، إلى تعزيز العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين مسقط ولندن، في وقت تواجه فيه السياسة العُمانية القائمة على الحياد ضغوطاً متزايدة من بعض الأطراف الإقليمية والدولية.
وقالت الصحيفة إن الأسباب الحقيقية وراء الموقف المتشدد الذي أبداه ترامب تجاه عُمان لا تزال محل تكهنات، خاصة أن السلطنة تعد حليفاً للولايات المتحدة وصديقاً لها منذ ما يقارب قرنين. وأشارت إلى أن بعض المتابعين للشأن الشرق أوسطي تساءلوا عما إذا كانت التصريحات المنسوبة للرئيس الأمريكي جاءت على سبيل الخطأ أو كانت موجهة إلى إيران، فيما رأى آخرون أنها تعكس حالة استياء متزايدة من الدور العُماني في المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين يؤكدون وجود فتور واضح في العلاقات بين واشنطن ومسقط، رغم أن السلطنة لعبت لسنوات طويلة دور الوسيط المحايد بين الولايات المتحدة وإيران، وحظيت بثقة الطرفين بوصفها قناة اتصال موثوقة وعنصراً مهماً في استقرار المنطقة.
وأضافت الصحيفة أن هذا الانزعاج الأمريكي تصاعد عقب تقارير إعلامية تحدثت عن مزاعم بشأن دراسة عُمان التعاون مع إيران لفرض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز، وهي مزاعم لم تؤكدها السلطنة ولم تعلق عليها رسمياً.
ونقلت "التلغراف" عن مارك سيفرز، السفير الأمريكي السابق لدى عُمان، قوله إن الوسيط لا يمكنه أداء دوره بفاعلية إذا بدا منحازاً إلى أحد الأطراف، فيما أكد السير آلان دنكان، الوزير البريطاني السابق وأحد أكثر الشخصيات إلماماً بالشأن العُماني، أن السلطنة تحترم القانون الدولي ولن تكون جزءاً من أي ترتيبات لفرض رسوم على الملاحة في المضيق.
وأشار دنكان إلى أن عُمان اعتادت التعامل مع الأزمات بهدوء ورصانة، متوقعاً أن تواصل نهجها الدبلوماسي المعروف دون الدخول في سجالات علنية، وأن تنتظر انحسار التوتر قبل استئناف جهودها الدبلوماسية المعتادة.
ورأت الصحيفة أن من أبرز نتائج الأزمة الحالية احتمال تعزيز العلاقة البريطانية العُمانية، وهي العلاقة التي أثيرت تساؤلات حول مستقبلها بعد وفاة السلطان قابوس بن سعيد عام 2020. وأوضحت أن السلطنة ما تزال من الدول القليلة التي تنظر إلى بريطانيا باعتبارها شريكها الغربي الأقرب، وأن لندن لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري واستخباراتي واسع داخل عُمان.
وكشفت "التلغراف"، نقلاً عن مصادر غربية، أن إدارة ترامب الأولى حاولت خلال مرحلة انتقال السلطة في السلطنة إقناع مسقط بمنح الولايات المتحدة دور الشريك الدفاعي والاستخباراتي الرئيسي بدلاً من بريطانيا، من خلال عروض تضمنت مستشارين عسكريين أمريكيين ومزايا إضافية، إلا أن هذه الرواية لا تحظى بإجماع جميع المراقبين والمسؤولين السابقين.
وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي السابق مارك سيفرز تأكيده أن واشنطن ولندن عملتا تاريخياً بصورة متكاملة داخل السلطنة، نافياً علمه بأي جهود أمريكية لإقصاء الدور البريطاني.
وتطرقت الصحيفة إلى الجذور التاريخية للعلاقات بين البلدين، مشيرة إلى أن بريطانيا لعبت دوراً بارزاً في دعم السلطان قابوس خلال بدايات حكمه، كما ساهمت في مواجهة تمرد ظفار خلال سبعينيات القرن الماضي، وهو ما رسخ الشراكة الأمنية والعسكرية بين الجانبين.
وأضاف التقرير أن العلاقات الشخصية بين أفراد العائلة المالكة البريطانية والقيادة العُمانية ساهمت كذلك في تعزيز هذه الروابط، سواء خلال عهد السلطان قابوس أو في عهد السلطان هيثم بن طارق.
ونقلت "التلغراف" عن أوليفر بليك، الخبير في الشؤون العُمانية والزميل الأقدم المشارك في المعهد الملكي للخدمات المشتركة (RUSI)، قوله إن العلاقة بين بريطانيا وعُمان لا تزال قوية للغاية وذات طابع استراتيجي عميق، خصوصاً في المجالات الدفاعية والاستخباراتية.
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية العُمانية، أشارت الصحيفة إلى أن نهج الحياد الذي تتبعه السلطنة يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، خاصة من الولايات المتحدة، رغم أن مسؤولين غربيين ومصادر مقربة من الحكومة العُمانية يؤكدون أن موقف مسقط أُسيء فهمه في العديد من الملفات.
وأكدت المصادر، بحسب التقرير، أن عُمان من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وأنها أمضت عقوداً في الدفاع عن حرية الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.
كما لفتت الصحيفة إلى أن حالة التوتر الحالية سبقت الجدل المتعلق بمضيق هرمز، إذ أثار رفض عُمان الانضمام إلى بعض المواقف الخليجية المناهضة لإيران استياء أطراف إقليمية تتمتع بنفوذ داخل إدارة ترامب، ولا سيما دولة الإمارات.
وأضافت أن بعض المسؤولين الخليجيين ينظرون بقلق إلى استفادة الموانئ العُمانية من التحولات التي شهدتها حركة الملاحة والتجارة خلال فترات التوتر في المنطقة، كما أبدوا تحفظات على الدور الذي لعبه وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران.
ووفقاً للتقرير، فإن تصريحات البوسعيدي التي تحدث فيها عن اقتراب التوصل إلى اتفاق قبل انهيار المفاوضات، وما تبعها من انتقادات للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، أسهمت في زيادة التوتر بين مسقط وواشنطن.
وختمت "التلغراف" تقريرها بالتأكيد على أن عُمان بنت سياستها الخارجية على ثلاث ركائز رئيسية هي الحياد الاستراتيجي والصبر الاستراتيجي والثبات الاستراتيجي، مشيرة إلى أن معظم المراقبين لا يتوقعون أن تدفعها الضغوط الحالية إلى تغيير نهجها الدبلوماسي المعروف أو التخلي عن دورها التقليدي كوسيط إقليمي.