تحولت قرية "مراسي" بالساحل الشمالي المصري إلى محور جدل واسع خلال الأيام الماضية، بعدما فجرت القرارات الأخيرة الصادرة عن شركة "إعمار مصر"، التابعة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، موجة غضب غير مسبوقة بين مالكي الشاليهات والفلل، الذين اتهموا الشركة بتحويل حقهم في الانتفاع بوحداتهم إلى سلسلة من القيود والإجراءات التي وصفها بعضهم بأنها "إذلال للملاك"، فيما ذهب آخرون إلى اعتبار ما يحدث "خصخصة للبحر" وتحويل أجزاء من الساحل إلى "إمارة مغلقة" لا تخضع إلا لقوانين الشركة.
وجاءت الشرارة الأولى للأزمة بعد إعلان الشركة فرض عضوية خاصة تبلغ 3000 دولار أمريكي شهرياً للراغبين في دخول شاطئ فندق العلمين، مقابل ثلاث زيارات فقط، أي أن تكلفة الزيارة الواحدة تصل إلى ألف دولار، وهو ما أثار موجة استياء واسعة، خصوصاً مع فرض الرسوم بعملة أجنبية داخل مصر، الأمر الذي اعتبره معترضون مخالفاً للقوانين المنظمة للتعاملات المالية داخل البلاد.
"دفعنا الملايين.. ثم مُنعنا من البحر"
يقول ملاك الوحدات إن الأزمة لم تبدأ بالرسوم، وإنما سبقتها سلسلة طويلة من القيود التي فرضتها إدارة المشروع خلال الأشهر الأخيرة، والتي انتهت ـ بحسب وصفهم ـ بحرمانهم من أبسط حقوقهم داخل المشروع الذي اشتروا وحداته بملايين الجنيهات.
ويؤكد عدد من الملاك أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن الشاطئ، الذي كان يمثل السبب الرئيسي لشراء الوحدات، أصبح الوصول إليه خاضعاً لشروط ورسوم وتصاريح متغيرة، معتبرين أن المشروع تحول من منتجع سياحي إلى منطقة مغلقة تفرض على المالك نفسه قيوداً لا يواجهها حتى في منزله.
وتداول ملاك عبر مواقع التواصل مقاطع فيديو قالوا فيها إنهم فوجئوا بمنعهم من دخول بعض الشواطئ أو اصطحاب ضيوفهم إليها إلا بعد الحصول على موافقات مسبقة، بينما خُصصت أجزاء من الشاطئ لفئات معينة دون غيرها.
قيود على الضيوف والأقارب
ولم تتوقف الاعتراضات عند استخدام الشاطئ، إذ شملت كذلك القيود المفروضة على استقبال الضيوف.
وبحسب شكاوى متداولة، أصبح على مالك الوحدة إدخال بيانات ضيوفه مسبقاً عبر تطبيق إلكتروني، يتضمن الاسم ورقم الهوية وموعد الزيارة بدقة، ليصدر النظام رمزاً إلكترونياً (QR Code) يسمح بالدخول في الوقت المحدد فقط.
تغريدة من X.com
https://twitter.com/Abdazizghadeer/status/2075186354414047443
ويقول الملاك إن أي خطأ في البيانات أو تأخر في إصدار الرمز قد يؤدي إلى منع الضيف من الدخول، حتى لو كان أحد أفراد العائلة.
ويروي أحد الملاك أنه لم يتمكن من إدخال شقيقته خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما اعتبرت إدارة المشروع أنها ليست ضمن الفئة المسموح لها بالدخول في تلك الفترة، بينما أكد آخر أن أحفاد مالك الوحدة لا يسمح لهم بالدخول في بعض الإجازات إذا كانت الملكية مسجلة باسم الجد.
كما كشفت إحدى المالكات أن ابنتها لم تتمكن من إدخال صديقتها اليمنية، رغم قدومها من القاهرة بعد رحلة استغرقت نحو ثلاث ساعات، بسبب رفض الإدارة إصدار تصريح لها.
وقالت مالكة أخرى إنها اتخذت قرار بيع وحدتها بالكامل بعدما أصبح ضيوفها يرفضون زيارتها نتيجة التعقيدات والإجراءات التي وصفتها بـ"المهينة".
تغريدة من X.com
https://twitter.com/3nan_ma/status/2080306946419335398
طوابير انتظار وإجراءات معقدة
وامتدت الشكاوى إلى البوابات الرئيسية للمشروع، حيث يؤكد ملاك أن النظام الإلكتروني الجديد تسبب في طوابير انتظار طويلة، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع.
ويقول أصحاب الوحدات إن الضيوف يقفون لفترات طويلة حتى يتم التحقق من الأكواد الإلكترونية ومطابقتها مع بطاقات الهوية، وهو ما تسبب ـ بحسب وصفهم ـ في مواقف محرجة لهم أمام أقاربهم وأصدقائهم.
كما اشتكى ملاك من أن تغيير موعد الزيارة أو تعديل بيانات الضيف يتطلب إجراءات إلكترونية جديدة قد تستغرق وقتاً، ما يجعل استقبال الزوار أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
تغريدة من X.com
https://twitter.com/FAHDMZAEL/status/2080387534056575477
"المصيف أصبح بالتصريح"
وتحولت الأزمة إلى قضية رأي عام بعد انتشار عشرات المقاطع المصورة لملاك يشتكون من القيود الجديدة.
وقال أحدهم في مقطع فيديو متداول: "هو المصيف إيه غير البحر؟ يعني أخويا يجي عندي أقوله استنى ساعة لما أخلص البحر؟"
بينما قال آخر: "إحنا اشترينا المكان علشان نعيش بحر.. دلوقتي بقينا نستأذن الشركة علشان ننزل البحر."
دعاوى قضائية بـ100 مليون جنيه
ولم تقتصر الأزمة على مواقع التواصل، بل انتقلت إلى ساحات القضاء، حيث أقام عدد من مالكي الفلل والشاليهات دعاوى قضائية ضد الشركة، طالبوا فيها بتعويضات تصل إلى 100 مليون جنيه.
ويؤكد مقدمو الدعاوى أن القيود الجديدة تخالف العقود المبرمة معهم، وتحرمهم من الانتفاع الكامل بوحداتهم، سواء في استقبال الضيوف أو استخدام الشواطئ والمرافق التي كانت جزءاً أساسياً من قرار الشراء.
جدل قانوني
وأثارت الرسوم الدولارية والقيود الجديدة نقاشاً قانونياً واسعاً. ويرى معترضون أن فرض رسوم بالدولار داخل مصر يتعارض مع قانون البنك المركزي الذي يعتبر الجنيه المصري العملة الرسمية للتعامل داخل البلاد.
كما استند منتقدون إلى المادة (45) من الدستور المصري التي تنص على أن الدولة تكفل حق المواطنين في التمتع بالشواطئ، إضافة إلى أن الشواطئ البحرية تعد من الأملاك العامة، وأن منح المطورين حق تطوير الأراضي لا يعني امتلاك البحر أو منع المواطنين من الوصول إليه.
إعلاميون: من يملك البحر؟
وامتد الجدل إلى وسائل الإعلام. فقد طالب الإعلامي محمد علي خير الجهات المختصة بالتدخل والتحقيق في شكاوى الملاك، محذراً من تحول المشروع إلى "دولة داخل الدولة" إذا ثبتت صحة ما يتردد بشأن القيود المفروضة على الملاك.
أما الإعلامي عمرو أديب، فطرح سؤالاً أثار تفاعلاً واسعاً: "من يملك البحر؟"
وقال إن هذا السؤال لم يعد افتراضياً، بل أصبح مطروحاً بقوة مع تزايد الشكاوى المتعلقة بالشواطئ الخاصة، والتفرقة بين الملاك والمستأجرين، ومنع بعض الفئات من استخدام أجزاء من الساحل.
الشركة ترد
في المقابل، نفت إدارة إعمار مصر أن تكون الإجراءات تستهدف التضييق على الملاك، مؤكدة أن جميع الضوابط الجديدة تهدف إلى الحفاظ على أمن وخصوصية المشروع، والحد من التكدس على الشواطئ والمرافق، ومنع إعادة تأجير الوحدات بصورة غير نظامية.
كما حذرت من تداول أكواد الدخول عبر مواقع التواصل، مؤكدة أن الأنظمة الإلكترونية قادرة على اكتشاف أي رمز مخالف، وأن استخدامه قد يؤدي إلى منع الزائر، مع اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية بحق المالك الذي يثبت إساءة استخدام النظام.
ورغم تبريرات الشركة، لا تزال حالة الغضب تتصاعد بين عدد من الملاك وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن الأزمة تجاوزت خلافاً بين شركة وعملائها، لتتحول إلى نقاش أوسع حول حدود صلاحيات المطورين العقاريين، وحق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ العامة، فيما وصف بعض المتفاعلين ما يحدث بأنه "استعمار اقتصادي"، وذهب آخرون إلى القول إن أجزاء من الساحل الشمالي باتت تبدو وكأنها "إمارة خاصة" تفرض قواعدها على الملاك والزوار، وهي أوصاف وتعبيرات متداولة على لسان منتقدين للمشروع، وليست توصيفات رسمية أو مثبتة.