بعيداً عن مبدأ «إمّا معنا وإمّا ضدّنا»!

الكـاتب : عبد الوهاب بدرخان
عدد المشاهدات: 247
تاريخ الخبر: 12-06-2017


الانحياز أهون الخيارات، والحياد حجّة الحائرين أو أصحاب المصالح. لكن ماذا عمّن تقتصر مصلحته على أن يكون هناك وئام خليجي، ووئام عربي، ولو بالحدّ الأدنى. عندئذ يصبح الأمر محنة شخصية وعامة في آن. فموقف الفرد لا يقدّم ولا يؤخّر عندما ينفجر الصراع بين دول وحكومات، وعلى النحو المباغت المشهود. بديهي أن ينحاز القطري والسعودي أو سواهما لبلده وقيادته، وكان انحيازه ليكون أكثر عمقاً لو أنه ملمٌّ بالمقدّمات والأسباب التي بلغت هذا الاحتقان. لم يكن الإعلام يقدّم إليه سوى إشارات مغلّفة بكثير من الكلام العام، وفجأة رُميت أخطر الملفات في هذا الإعلام، ليصبح هو محور الخلاف وأداة المبارزة. لكن جوهر التأزم لم يكن في الإعلام، بل في السياسات، بمعزل عن مدى تعبيره عنها. والمؤكّد أن حلحلة هذا التأزم لن تكون إلا بالسياسة.
الأزمة الراهنة في الخليج غير مسبوقة بالسيناريوهات والأساليب التي اعتمدتها. لا شك أنها بدأت بعيداً عن أضواء الإعلام، واعتملت لأعوام طويلة في تعارض التوجّهات والخيارات السياسية، لكن أطرافها جميعاً اجتهدت في ممارسة الكتمان. صحيح أن أحاديث خاصة لتغذية الفهم والتحليل كانت تشي بوجود خلافات «طبيعية»، أو تنافسات على مصالح، إلا أن جانب المعلومات فيها نادراً ما كان واضحاً، بل لم يكن ينذر بإمكان الوصول يوماً إلى قطيعة فعلية وشاملة. ورغم أن الأزمة استندت إلى تصريحات منسوبة إلى أمير قطر، فإن نفيها من جانب الدوحة لم يوقف تفاعل الجانب الآخر مع تلك «التصريحات» بمنحى تصعيدي هادف. اختارت الدول الأربع، السعودية ومصر والإمارات والبحرين، أن تواجه قطر بسلاح الإعلام الذي تعتبر أن قطر لطالما استخدمته ضدّها عبر قناة «الجزيرة»، وأن تشرع في حملة ضدّها للتخلّي عن سياسات تقلقها وتزعجها.
منذ اللحظة الأولى فرضت الأزمة، بلغتها ومصطلحاتها واتهاماتها وشروطها، على كل خليجي وكل عربي ضرورة التفكير في اتجاه واحد: إمّا معنا أو ضدّنا، ومن دون أي مساحة للتساؤل: مَن على حق ومَن ليس على حق؟ لكن الملفات المُثارة ليست بسيطة ولا سطحية، فهي تتعلق باتهامات مبنية في جانبها الأمني على معطيات استخبارية، أو على تقويمات حكومية في جانبها السياسي، وفي الحالَين لم تكن مفتوحة بشفافية. لذلك فليس من التذاكي أو التغابي التساؤل كيف يمكن المتلقي الخليجي أو العربي أن يُحكم فيها عقله ليكوّن اقتناعاً ناجزاً. كان التعارض المصري - القطري الحاد معروفاً، وكان يُعتقد أن التعارض السعودي - الإماراتي - البحريني مع قطر مضبوطاً، أقلّه منذ «اتفاق الرياض» عام 2014، وأن الدول الثلاث تعايشت عموماً مع وجود إسلاميين، ولا سيما من «الإخوان المسلمين» في الدوحة. ولم يكن واضحاً أن أيّاً من الإشكالَين كان قيد المعالجة باتصالات معروفة أو سرّية بين الأطراف المعنيّة.
من الواضح أن أزمة 2017 تخطّت معطيات أزمة 2014، وهي صعبة وقاسية، ولا يمكن أن تنتهي إلى وضع مشابه كلّياً أو جزئياً لما كان قبلها. لكن حتى لو بلغت الأزمة حدوداً غير معقولة، خصوصاً بتأثيرها المباشر على المواطنين والمقيمين، فإن أي حلٍّ متصوَّر يتطلّب منطلقات واقعية على الجانبَين. فالدوحة تصرّفت حتى الآن في إطار المتوقّع بالدفاع عن نفسها، لكنها تبقى مدعوّة إلى التعامل مع عناصر الأزمة، تحديداً لأن الولايات المتحدة تبنّت عملياً اتهامات الدول الأربع ولو لم تتبنَّ إجراءاتها. في المقابل تقول تلك الدول إنها فجّرت الأزمة، وتريد نتائج، ولكي تحصل عليها لا بدّ أن تأخذ في الاعتبار ضرورة احترام سيادة دولة قطر، فهو السبيل الوحيد لمعالجة الخلافات وإصلاح السياسات.; 


الكـاتب : عبد الوهاب بدرخان
عدد المشاهدات: 247
تاريخ الخبر: 12-06-2017

مواضيع ذات صلة