قالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن تجربة أبوظبي مع "اتفاقيات التطبيع" مع الاحتلال الإسرائيلي تمثل نموذجًا ينبغي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوقف عنده قبل الضغط على دول أخرى، وفي مقدمتها السعودية، للانضمام إلى مسار التطبيع مع "إسرائيل"، معتبرة أن حصيلة الاتفاق بعد ست سنوات جاءت "مختلطة" ولم تحقق الوعود التي صاحبت توقيعه.
ولفتت الصحيفة إلى أن ترامب يواصل ربط أي اتفاق يسمح للسعودية بتطوير برنامج نووي مدني بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن التجربة الإماراتية أظهرت أن المكاسب السياسية والشعبية كانت محدودة، في مقابل تزايد التحديات الأمنية والإقليمية.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات شهدت في السنوات الأولى بعد توقيع الاتفاقيات ظهور مجتمع يهودي أكثر نشاطًا، وافتتاح أول كنيس يهودي وانتشار مطاعم "الكوشر"، غير أن هذه الأجواء تراجعت بشكل كبير بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ ألغيت الفعاليات العامة وأُغلق الكنيس الرئيس مع تصاعد التوترات الأمنية.
وأضافت الصحيفة أن الحرب في غزة، ثم المواجهة العسكرية مع إيران، عمّقت حالة الإحباط داخل الإمارات تجاه الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط على المستوى الشعبي، بل أيضًا لدى بعض المسؤولين، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وإيران.
ونقلت الصحيفة عن الباحثة في جامعة نيويورك - أبوظبي، مونيكا ماركس، قولها إن الإمارات "خاطرت كثيرًا" بتوقيع اتفاقيات التطبيع، لكنها "لم تحصل إلا على مكاسب محدودة على صعيد النفوذ الدبلوماسي"، مضيفة أن كثيرين باتوا ينظرون إلى الاتفاقيات باعتبارها "درسًا تحذيريًا أكثر من كونها نموذجًا يحتذى".
ولفت التقرير إلى أن الحماس الشعبي الذي رافق توقيع الاتفاقيات بدأ يتراجع منذ عام 2021 مع أحداث حي الشيخ جراح في القدس، قبل أن يتسارع الانحسار بصورة أكبر عقب الحرب على غزة، ما أدى إلى تراجع التأييد الشعبي للتطبيع داخل الإمارات.
كما أشارت الصحيفة إلى أن أفراد الجالية اليهودية في الإمارات أصبحوا يمارسون شعائرهم بصورة أكثر تحفظًا، وسط مخاوف أمنية متزايدة، بينما أغلق مجمع "بيت العائلة الإبراهيمية"، الذي يضم الكنيس، أبوابه خلال التصعيد العسكري مع إيران، ولم يُعد افتتاحه حتى الآن.
ورغم ذلك، يواصل المسؤولون الإماراتيون الدفاع عن اتفاقيات التطبيع، مستشهدين بتوسع التعاون الاقتصادي والعسكري مع "إسرائيل"، وبالدعم الدفاعي الذي قدمته تل أبيب لأبوظبي خلال الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، معتبرين أن هذه الشراكة عززت أمن الدولة.
ونقلت الصحيفة عن عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية والمحلل المقيم في دبي، في إشارة إلى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قوله: "إسرائيل لا تسهل علينا تطبيق اتفاقيات إبراهيم، بل نتنياهو يصعبها جدا، هناك الكثير من المشاكل".
مع أن عبد الله يرى أن قرار "إسرائيل" إرسال تكنولوجيا القبة الحديدية إلى الإمارات في الأسابيع الأولى من الحرب كان بمثابة نقطة تحول.
ويضيف: "لقد ساعدونا في الدفاع عن أنفسنا عندما كنا في أمسّ الحاجة إلى ذلك، وهذا وحده سبب كاف للالتزام بالاتفاقيات".
إلا أن الصحيفة رأت أن الغموض الذي يحيط بمستقبل الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي، وتراجع الزخم الشعبي لها، يثيران تساؤلات بشأن جدوى الرهان على توسيعها، في وقت تواجه فيه إدارة ترامب صعوبة في إقناع دول عربية أخرى بالانضمام إليها، خصوصًا مع استمرار الحرب في غزة وغياب أي تقدم في القضية الفلسطينية.
واختتمت الصحيفة بالقول إن تجربة الإمارات أصبحت بالنسبة لكثير من المراقبين مؤشرًا على أن اتفاقيات التطبيع لم تحقق أهدافها السياسية كما كان مأمولًا، وهو ما يجعلها، بحسب التقرير، تجربة تستحق الدراسة قبل السعي إلى توسيعها لتشمل دولًا عربية جديدة.