قبل نحو عقدين، كانت الإمارات تواجه في واشنطن صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تحظى بها اليوم، فقد تحولت خلال هذه الفترة من دولة أثارت مخاوف أمنية وسياسية داخل الكونغرس الأمريكي إلى حليف وثيق لواشنطن، يتمتع بعلاقات واسعة داخل دوائر السياسة والأعمال والتكنولوجيا الأمريكية.
وترصد صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير لها مسار هذا التحول، الذي بدأ بصورة واضحة عقب أزمة صفقة "موانئ دبي العالمية" عام 2006، عندما أثارت محاولة الشركة الإماراتية الاستحواذ على إدارة ستة موانئ أمريكية رئيسية اعتراضات واسعة في الكونغرس، قبل أن تضطر الشركة إلى التخلي عن الصفقة تحت ضغط سياسي كبير.
وجاءت الأزمة بعد سنوات قليلة من هجمات 11 سبتمبر، التي كان اثنان من منفذيها يحملان الجنسية الإماراتية، ما عزز المخاوف داخل واشنطن بشأن الدور الأمني للإمارات وعلاقاتها بالمنطقة.
ولم تنجح حقيقة أن الإمارات كانت الدولة العربية الوحيدة التي أرسلت قوات لدعم الولايات المتحدة في أفغانستان، أو دعم إدارة الرئيس جورج بوش للصفقة، في احتواء الاعتراضات السياسية.
لكن أبوظبي تعاملت مع الأزمة باعتبارها نقطة تحول تستوجب إعادة صياغة صورتها داخل الولايات المتحدة.
إعادة بناء الصورة في واشنطن
بحسب التقرير، دفع الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة، الذي كان حينها ولياً للعهد، باتجاه استراتيجية جديدة تقوم على تعزيز العلاقات السياسية والعامة والاستثمارية مع واشنطن، وتقديم الإمارات باعتبارها شريكاً يمكن الاعتماد عليه.
وفي قلب هذه الاستراتيجية برز السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة يوسف العتيبة، الذي وصل إلى واشنطن عام 2008، وتولى مهمة توسيع شبكة العلاقات الإماراتية داخل الكونغرس ومراكز الأبحاث والجامعات ووسائل الإعلام.
وبمساعدة شبكة واسعة من جماعات الضغط والعلاقات العامة، عمل العتيبة على تحويل صورة الإمارات من دولة مرتبطة بمخاوف ما بعد هجمات سبتمبر إلى شريك إقليمي يتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية وأمنية يمكن لواشنطن الاعتماد عليها.
ويشير التقرير إلى أن الإمارات أنفقت أكثر من 270 مليون دولار خلال السنوات العشر الماضية على أنشطة الضغط والعلاقات السياسية في واشنطن، وفق بيانات منظمة "أوبن سيكريتس"، لتصبح ضمن أكبر المنفقين الأجانب في العاصمة الأمريكية.
كما دعمت أبوظبي مؤسسات بحثية أمريكية بارزة، بينها المجلس الأطلسي ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية و"راند"، ونظمت مؤتمرات وفعاليات واستضافت شخصيات سياسية، إلى جانب تطوير علاقات مع الجامعات ووسائل الإعلام وأعضاء الكونغرس.
ويرى مسؤول أمريكي سابق أن العتيبة كان من أبرز عناصر هذه الاستراتيجية، بفضل قدرته على التواصل المستمر مع المسؤولين وصناعة شبكة من المؤيدين للعلاقات الإماراتية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
"إسرائيل" كمدخل إلى إدارة ترامب
كان التطور الأهم في مسار العلاقات، بحسب "فايننشال تايمز"، توقيع الإمارات اتفاقات التطبيع عام 2020 وتطبيع علاقاتها مع "إسرائيل" برعاية إدارة الرئيس دونالد ترامب.
واعتبر التقرير أن الخطوة منحت أبوظبي نفوذاً إضافياً داخل دوائر القرار الأمريكي، ولا سيما في محيط ترامب، ووفرت قناة جديدة للتواصل مع الإدارة.
كما نسج العتيبة خلال ولاية ترامب الأولى علاقات وثيقة مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره البارز لشؤون الشرق الأوسط.
ويقول مسؤول أمريكي سابق إن أبوظبي كانت تدرك ما الذي يحظى بأهمية داخل واشنطن، وإن العلاقة المتنامية مع "إسرائيل" وفرت لها، بحسب تعبيره، "باباً خلفياً" إلى دائرة ترامب.
وبالتوازي، سعت الإمارات إلى توسيع علاقتها بواشنطن من المجالين العسكري والأمني إلى الاقتصاد والتكنولوجيا، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط والتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
من شراء الموانئ إلى الاستثمار في الرقائق
بعد عشرين عاماً من تعثر صفقة الموانئ الأمريكية، انتقلت الاستثمارات الإماراتية إلى قطاعات أكثر حساسية وأهمية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات.
وتشير "فايننشال تايمز" إلى أن الإمارات تدير، عبر صناديقها السيادية والشركات المدعومة من الدولة، أصولاً واستثمارات تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار، وجهت جانباً مهماً منها إلى السوق الأمريكية.
وبرز في هذا المجال صندوق "مبادلة" و"MGX"، الذي يرأسه الشيخ طحنون بن زايد، حيث دخلت الأداتان الاستثماريتان في شراكات واستثمارات مع شركات تكنولوجية أمريكية بارزة، بينها "أوبن إيه آي" و"إكس إيه آي".
كما استحوذت استثمارات إماراتية على حصة مسيطرة في شركة "غلوبال فاوندريز" لصناعة الرقائق، إلى جانب استثمارات في "سيريبراس سيستمز" و"Aligned Data Centers" المتخصصة في مراكز البيانات.
وفي سبتمبر الماضي، أبرمت "MGX" اتفاقاً مع الحكومة الأمريكية للحصول على حصة تبلغ 15% في "تيك توك الولايات المتحدة".
ويرى مسؤول إماراتي أن هذه الاستثمارات غيّرت طبيعة العلاقة بين البلدين؛ فبعدما كانت تركز عقب هجمات 11 سبتمبر على التعاون الأمني، أصبحت اليوم قائمة على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية إلى جانب التعاون الدفاعي.
وقال مسؤول في إدارة ترامب إن الاستثمارات الإماراتية في قطاع الرقائق جعلت أبوظبي ممولاً رئيسياً لصناعة التكنولوجيا الأمريكية، مشيداً خصوصاً باستثماراتها في "غلوبال فاوندريز" و"سيريبراس".
الرقائق المتقدمة تفتح باباً جديداً للخلاف
لكن التحول التكنولوجي حمل معه جدلاً سياسياً داخل الولايات المتحدة. فقد سمحت وزارة التجارة الأمريكية للإمارات بالحصول على رقائق متقدمة، رغم التحذيرات السابقة من احتمال وصول التكنولوجيا الأمريكية الحساسة إلى الصين، في ظل العلاقات التجارية والتكنولوجية الوثيقة بين أبوظبي وبكين.
وتقول واشنطن وأبوظبي إنهما اتخذتا إجراءات لحماية التكنولوجيا، إلا أن بعض المسؤولين السابقين وأعضاء الكونغرس ما زالوا يشككون في كفاية تلك الضمانات.
وزاد الجدل بعد استثمارات إماراتية في أعمال مرتبطة بعائلة ترامب. فقد استحوذت "MGX" على حصة تبلغ 49% في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب "World Liberty Financial"، قبل وقت قصير من تنصيبه، ثم استثمرت لاحقاً ملياري دولار في عملة مستقرة تابعة للشركة، فيما اشترى صندوق إماراتي آخر رموزاً رقمية بقيمة 100 مليون دولار.
وأثارت هذه الصفقات انتقادات من ديمقراطيين في الكونغرس، اعتبروا أن تزامن الاستثمارات مع حصول الإمارات على مزيد من الوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة يثير تساؤلات بشأن تضارب المصالح.
وتنفي الإمارات أن تكون تلك الاستثمارات مرتبطة بطموحات سياسية أو بصفقة الرقائق، وتؤكد أنها قرارات تجارية.
نفوذ يتجاوز ملفات الأمن
ولا تقتصر استفادة الإمارات من علاقاتها في واشنطن، وفق التقرير، على الاستثمارات والتكنولوجيا.
فقد تمكنت أبوظبي، على مدى سنوات، من تجنب تداعيات سياسية كان من الممكن أن تواجهها دول أخرى بسبب علاقاتها مع الصين أو دورها في ملفات إقليمية شائكة.
ومن بين أكثر الملفات إثارة للجدل اتهامات أمريكية للإمارات بدعم قوات الدعم السريع في السودان، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي، إضافة إلى علاقاتها الاقتصادية مع إيران.
ويشير تحليل لـ"فايننشال تايمز" للعقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران إلى أن الإمارات كانت ثاني أكثر دولة يظهر اسمها في هذه العقوبات بعد الصين.
ووفق التحليل، فإن 22% من أصل 1573 كياناً وشخصاً خاضعين للعقوبات ولهم صلات بدولة خارج إيران يحملون الجنسية الإماراتية أو لديهم عناوين أو تسجيلات شركات في الإمارات.
ورغم ذلك، استمر الدعم السياسي والعسكري الأمريكي للإمارات، كما رفض الكونغرس في مناسبات عدة محاولات لمنع صفقات أسلحة معها، مستنداً إلى اعتبارها شريكاً استراتيجياً.
ويرى السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن أن النفوذ الإماراتي في واشنطن أصبح كبيراً إلى درجة جعلها، في رأيه، تفلت من إجراءات لم يكن من السهل على دول أخرى تجنبها.
حرب إيران تختبر حدود النفوذ
لكن قوة العلاقات الإماراتية-الأمريكية واجهت اختباراً كبيراً مع اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران. فبحسب التقرير، لم تتمكن أبوظبي، رغم نفوذها في واشنطن، من منع اندلاع الحرب على مقربة من أراضيها، بل أصبحت الإمارات هدفاً لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وتقول باربرا ليف، السفيرة الأمريكية السابقة لدى الإمارات، إن أبوظبي تمتلك "النفوذ والوصول والتأثير"، لكنها لم تكن صاحبة قرار عندما بدأت الحرب، وتعرضت لاحقاً لجزء كبير من الهجمات الإيرانية.
ومع ذلك، لم يدفع التصعيد الإمارات إلى الابتعاد عن واشنطن، بل حدث العكس؛ إذ اتجهت أبوظبي إلى تعميق علاقاتها بالولايات المتحدة و"إسرائيل".
ويقول مسؤولون إماراتيون إن التعاون العسكري مع واشنطن خلال الحرب، وتدفق الأسلحة والدعم الأمريكي، عززا موقع الإمارات باعتبارها شريكاً قادراً على العمل بكفاءة في ظروف الحرب.
كما عززت الإمارات تعاونها مع "إسرائيل"، في حين انسحبت في مايو من منظمة "أوبك"، وهي خطوة يرى التقرير أنها لاقت ترحيباً من ترامب المعروف بانتقاداته لتأثير المنظمة في أسعار النفط.
هل أصبحت العلاقة عبئاً على واشنطن؟
رغم نجاح أبوظبي في بناء شبكة نفوذ واسعة، فإن العلاقة لا تخلو من منتقدين داخل الولايات المتحدة.
ويقول مسؤول سابق في وزارة الخارجية إن الإمارات نجحت في صياغة علاقة تخدم مصالحها بدرجة كبيرة، لكنه يرى أنها قد تكون على حساب بعض جوانب السياسة والمصالح الأمريكية.
كما يحذر خبراء من أن اعتماد أبوظبي المتزايد على واشنطن وإسرائيل قد يحد من قدرتها على الحفاظ على ما تسميه "الاستقلالية الاستراتيجية" في المنطقة.
ويقول أندرو ليبر، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بجامعة تولين، إن الإمارات تخاطر بالتخلي عن جزء من استقلاليتها الاستراتيجية لصالح علاقاتها مع الولايات المتحدة و"إسرائيل".
وفي الداخل الأمريكي، يرى بعض الديمقراطيين أن النفوذ الإماراتي قد يخضع لاختبار جديد إذا استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، بما قد يفتح الباب أمام تحقيقات في بعض الصفقات والاستثمارات.
وتقول عضوة الكونغرس ياسمين أنصاري إن واشنطن مطالبة بتطبيق المعايير نفسها على جميع الشركاء والحلفاء، بينما تقر في الوقت ذاته بأن الإمارات "شريك مهم للولايات المتحدة في المنطقة".
لكنها ترى أن واشنطن بحاجة إلى التدقيق بصورة أكبر في ممارسات أبوظبي عندما تتعارض، بحسب رأيها، مع الأولويات والمصالح الأمريكية.
استراتيجية طويلة الأمد
وتخلص "فايننشال تايمز" إلى أن التحول الإماراتي في واشنطن لم يكن نتيجة حدث واحد، بل حصيلة استراتيجية امتدت نحو عقدين، بدأت بإعادة بناء الصورة السياسية بعد أزمة الموانئ، ثم توسعت عبر العلاقات الشخصية والضغط السياسي والاستثمارات والعلاقات مع "إسرائيل"، وصولاً إلى الشراكة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والدفاع.
وبالنسبة لأبوظبي، لم تعد العلاقة مع واشنطن تقتصر على شراء الأسلحة أو التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية، بل أصبحت جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة موقع الإمارات اقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً على المستوى العالمي.
غير أن هذا النفوذ المتزايد يضع الإمارات في الوقت ذاته أمام معادلة أكثر تعقيداً: كلما تعمقت شراكتها مع واشنطن وإسرائيل، ازدادت أهمية قدرتها على إدارة علاقاتها مع الصين وإيران وبقية القوى الإقليمية، والحفاظ على مساحة من الاستقلال في بيئة جيوسياسية شديدة التقلب.